السيد حسين الخليفة
الأربعاء, 07-01 11:45 مساءً
عصمة الرسول المطلقة تقريريَّاً – همزية حسان بن ثابت نموذجاً
كاتب
(0) تعليقات

\\\" وأَحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني           وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ

خلقتَ مبرأً منْ كلّ عيبٍ                كأنكَ قدْ خلقتَ كما تشاءُ

                                                                                                                                               ( حسان بن ثابت )

حين توصَف العصمة بالمطلقة ، فإنه يراد منها تحلي صاحبها بالكمال وعدم وقوعه في الخطأ من المهد إلى اللحد .

ولذلك يرى أتباع أهل البيتِ عليهم السلام أن النبي- صلى الله عليه وآله - معصوم عصمةً مطلقةً في تبليغه الدين وفي تطبيقه له على نفسه وعلى أمته وفي موارد حياته كلها ، فهو معصوم من ولادته المباركة وحتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

وقد اتفق المسلمون كافة على أن السنة تشمل قول النبي - صلى الله عليه وآله - وفعله وتقريره.

فلا مجال – حينئذ- إلى الجمع بين حصر العصمة في تبليغ أمور الدين وبين اعتبار قوله أو فعله أو تقريره من السنة ، وذلك لوقوع التضارب في الالتزام بالأمرين ، فإما أن يتنازل عن تقييد العصمة في ( التبليغ ) وإما أن يتنازل عن (تعريف السنة ) المذكور آنفاً .

وإذا علمنا أن ( تعريف السنة ) من المجمع عليه بين المسلمين ، وأن حصر العصمة في ( التبليغ ) من المختلف عليه حتى في جانب الفريق القائل به على صعيد التفاصيل على الأقل ، فإن لزوم المجمع عليه أسلم بالأخذ به ، واستبعاد غير المجمع عليه أقرب إلى الذوق والطبيعة العلميين ، خصوصاً إذا كان وجوده مسبباً لإيقاع المشاكل فيما اتفق عليه ، فحصر العصمة في ( التبليغ )  سيجعلنا نقع في مشكلة تحديد مصاديق دائرتي ( التبليغ ) و ( التطبيق ) وهي مشكلة قد تؤدي إلى بطلان الأخذ بالسنة عملياً ، لصعوبة تعيينها ، والعمل فرع العلم كما يقول العلماء.

وقد ذكر لنا المؤرخون ممن كتبوا في السيرة النبوية أو في أدب صدر الإسلام أن النبي – صلى الله عليه وآله – كان يوجِّه الشعراء ويحثهم على قول الحق ورفد الدعوة الإسلامية بطاقاتهم الشعرية ، فقد كان يدعوهم إلى هجاء المشركين ويعتبر ذلك أشد من وقع النبل عليهم ، كما كان يستمع إلى الشعراء في المجالات الأخرى فيستحسن ويصحح ويقوم الخطأ إن وقع منهم ، ولا يسكت عن قول يخالف الحق .

فقد نقل لنا المؤرخون أن النابغة الجعدي قد أنشد الرسول – صلى الله عليه وآله –

قصيدته الرائية وحين وصل إلى قوله :

                     بَلَغْنا السماءَ مَجْدُنا وسَناؤنا       وإِنّا لَنَرْجُو فوق ذلك مَظْهَرا
عندها أظهر الرسول غضبه ، لما يحتمل من تأويل في قول النابغة قد يستغله المغرضون فيما بعد ، وقال له : \\\"  إِلى أَين المَظْهرُ يا أَبا لَيْلى؟ قال: إِلى الجنة يا رسول الله،   قال: أَجَلْ إِن شاء الله.\\\"

فإن كان المقصود من ( بلغنا السماء) هو بلوغ الحد الأعلى في المنزلة ، فإن هذه الرتبة مقبولة ما دامت في نطاق ما يمكن أن يبلغه الإنسان ، ولأجل كبح جماح القول الشعري الذي قد يذهب بصاحبه إلى منطقة الانفلات أو الشطط كانت غضبة الرسول – صلى الله عليه وآله – التربوية تريد من الشاعر أن يكون خياله محلقاً في دائرة الحق ، وقد أدى تصرف الرسول الحكيم مع الشاعر الجامح من خلال الجمع بين مسحة الغضب وهي عنصر طارد وبين مناداة النابغة الجعدي  بكنيته وهي عنصر جاذب إلى رجوع الشاعر بخياله إلى دائرة الحق حين صرح بأن ما يرجوه من منزلة فوق المنزلة العليا هو الجنة .

من هنا نعلم أن الرسول – صلى الله عليه وآله – قد وضع تصرفات رعيته كلها في ميزان الحق ، ولم يستثن من ذلك شعر الشعراء وهو الراعي لحركة شعرية جديدة تتماشى وقيم الدين الجديد وتتضاد وتواجه قيم الجاهلية في مجال الكلمة الإبداعية شعراً ونثراً وخطابة .

ولأن تاريخ الأدب قد بين لنا أن الارتزاق قد تفشى عند صنَّاع الكلمة وانتشر انتشاراً كبيراً قبل نصف قرن من البعثة النبوية الشريفة ، وكان لفن الشعر الحظ الأوفى من بين الفنون القولية الأخرى في تمثُّل ظاهرة الارتزاق ، فشاع المدح والقدح والهجاء والإطراء لغرض العيش والتكسُّب لدى كثير من الشعراء.

ولأجل جعل الرعية يشعرون بمسؤولية الكلمة ، ويستقبحون المدح والذم في غير الحق ، ولأجل عدم وقوع صنَّاع الكلمة في وحل الكذب والنفاق والتكسُّب الرخيص .. كان الدين الجديد يحث على حرمة الكذب أو قول غير الحق بكل ألوان القول ، وعمومات الكتاب والسنة كلها تشير إلى ذلك ، غير أننا لا نعدم من ورود أحاديث خاصة في مسألة ذم المدح بغير حق والدعوة إلى مواجهته

فقد روى مسلم في صحيحه أن الصحابي الجليل المقداد- رضي الله عنه- قد حثا في وجه أحد المداحين التراب ، وحين سئل عن السبب قال : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وآله –  قَالَ:   \\\"إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِى وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ \\\".

وقد دون الحديث المذكور جملة من أعلام المدونات الحديثية كأحمد والبخاري والترمذي وابن ماجة وابن أبي شيبة .... ، بالإضافة إلى جملة من المصنفات المتنوعة كالكتب الأدبية والكشاكيل .

إن تصرف المقداد وهو من الصحابة الأجلاء كاشف عن حرصه الشديد في تطبيق توجيهات الرسول – صلى الله عليه وآله – ومضمون الحديث الذي سمعه عنه ، كما أنه كاشف عن أن الرجل المدَّاح لم يكن مدحه مجسداً للحق والحقيقة ولو كان كذلك لما حثا المقداد في وجهه التراب .
إن المدح المرفوض في الحديث الشريف هو المدح الذي يخالف الحق والحقيقة ، وهو المعنى المرتكز في وعي المقداد وفي أذهان من سمعوا الحديث مباشرة عن الرسول – صلى الله عليه وآله –  ومن بلغهم فحواه أيضاً

ذلك لأن الصحابة كانوا يستمعون مع الرسول إلى مدائحه من قبل الصحابة الذين يقرضون الشعر، فلم يجدوه ينكر على الشعراء مدحه وإطراءه ، لأنه مدح في الحق ، والمرفوض هو مدح الباطل .

ولئن استمع النبي – صلى الله عليه وآله – إلى قول ولم يعترض عليه ، أو شهد عملاً من  الأعمال ولم ينكره ، فإن سكوته – صلى الله عليه وآله – يكشف عن حقانية القول أو العمل ، ويعد ذلك من السنة التقريرية.

وإذا كانت مدونات السيرة والأدب قد ذكرت ما جرى بين رسول الله – صلى الله عليه وآله – وبين النابغة الجعدي من حديث حول نصه الشعري المسبوق ذكره ، فإن الكتب المعنية بالأمر لم تذكر لنا اعتراضه – صلى الله عليه وآله – على فحوى قصيدة حسان بن ثابت الهمزية التي قال فيها يمدحه  – صلى الله عليه وآله  - :

                  وأَحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني

                                    وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ 

                 خلقتَ مبرأً منْ كلّ عيبٍ

                                   كأنكَ قدْ خلقتَ كما تشاءُ

وإن عدم الاعتراض يجعل مضمونها داخلاً ضمن دائرة السنة التقريرية ، ومن هنا يمكن الاستدلال بالبيتين المذكورين على العصمة المطلقة له – صلى الله عليه وآله –

فالمقصود بقوله : \\\" خلقتَ مبرأً منْ كلّ عيبٍ \\\" هو خلو الممدوح من العيوب مطلقاً من حين الولادة وإلى زمن نضجه الذي رآه عليه الناس من ناحية المشاهدة الحياتية – ناهيك عن المرتكز في وعي الشاعر من استيعاب الخلو من العيوب لحياة النبي – صلى الله عليه وآله – من المهد إلى اللحد غير أن الشاعر يشترك مع عموم الناس في ظهور حقيقة صفات النبي إلى زمن مشاهدته ومشاهدة الناس له .

ولا مجال لأن يحصر الخلو من العيوب بزمن الولادة بذريعة التمسك بلفظة ( خُلقت ) والخلق في الوجود الخارجي يحدث في زمن الولادة ؛ ذلك لأن منشئ النص كان في معرض مدح النبي – صلى الله عليه وآله – وبيان صفاته الحسنة والرد على هجاء أبي سفيان له ، وقد أثبت الشاعر غرضه  من النص قائلاً فيه مخاطباً أبا سفيان :

هجوتَ محمداً وأجبتُ عنه   وعند الله في ذاك الجزاءُ

وإثبات محاسن الممدوح هو الرد السليم على مثالب الهجاء المكذوبة ، ولو ربطنا الخلو من العيوب بزمن الولادة لما كان هذا مدحاً ؛ لأنه – حينئذ – يتعين النفي بالعيوب الخلْقية وهي من الصفات غير الإرادية ، والمدح الحق المناسب ذكره لمقتضى الحال يتطلب ذكر صفات الممدوح الإرادية التي بها يتميز على غيره وبها يحدث التفاضل والتمايز ، كما أنها تمثل – نفياً أو إثباتاً -  المفردات التي يرتكز عليها موضوع المدح أو الهجاء ، ونفي كل عيب عن الممدوح يشمل – بمقتضى العموم – نفي العيوب الخلْقية والخُلُقية أو قل يشمل الصفات غير الإرادية والصفات الإرادية.

ولأن النص في معرض دفاع عن الممدوح ، فلا مجال – والحال هذه – إلى القول بعدم شمول نفي العيب للصفات الخُلُقية الإرادية ، فلو احتمل أن المفهوم من نفي ( كل عيب ) مقتصر على الصفات الخلْقية غير الإرادية ، لكان أبو سفيان ومن على شاكلته من المشركين من أوائل من يحتجون  على حسان ويقولون له : إنك قد أتعبت نفسك بالتغني  بصفات ممدوح لا فضل له فيها ، فهي ليست من عمل يده ولا تعد ميزة له على غيره إن وجدت فيه ولم توجد فيمن عداه ، مع كون جمال الخلقة من الأمور المتكررة في الولادات على مر العصور ولم يخل عصر منها ، وإن كان الجمال الخلْقي الأخاذ نادراً أو أقل بكثير من الجمال العادي ، لكنه متكرر في كل عصر ولم يعدم النظير.

ولو حملت كلمة ( أجمل ) في قوله : \\\" وأجمل منك لم تلد النساء\\\" في البيت الثاني على الجمال الخلْقي ، فإن هذا الحمل لا يقيد العموم  في قوله \\\" خلقتَ مبرأً منْ كلّ عيبٍ \\\" ولو تنزلنا انصرافاً في حمل دلالة ( أجمل ) على الجمال الخلْقي ، فإن كلمة ( أحسن ) في قوله \\\" وأَحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني \\\" في الشطر الأول من البيت الثاني تنصرف – بحسب العادة إلى حُسن المعنويات ، فكما يقال في صفة الجمال ( وجه جميل ) يقال في صفة الحسن ( سيرة حسنة ) ، وهي – حينئذ – تشير إلى الحسن الخُلُقي ( الصفات الإرادية ) كما أن ( أجمل ) تشير إلى الجمال الخلْقي ( الصفات غير الإرادية ) ، ليكون البيت الثاني بشطريه شاهداً على تأكيد عموم الخلو من العيوب في البيت الأول ،وهو المراد الذي يحقق الغرض من إنشاء النص الذي كان متوجهاً إلى الرد على افتراءات  الهجاء والدفاع عن الممدوح في إثبات تفرد صفاته وكمالها .

هكذا يتبين لنا أن النص الشعري المذكور ما هو إلا وثيقة تاريخية من وثائق السنة التقريرية التي يمكن أن يستدل بها على العصمة المطلقة للرسول – صلى الله عليه وآله – ، ولا تعني العصمة بكل ما تعني سوى الخلو من كل عيب  ، كما أن النفي المطلق للعيوب لا يعني إلا الإثبات المطلق للمحاسن والكمالات .

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
ضد او مع عمليات التجميل

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 283
زيارات الأمس: 1955
زيارت الموقع حتي الان: 747986
المتواجدون الان: 5