السيد حسين الخليفة
الخميس, 05-02 12:34 صباحاً
( المتلقي والعلامة الفضلي بين صدمة الكتابة وذهول المجالسة )
كاتب
(0) تعليقات

دفعني حبي للشعر- وقد كنتُ طالباً في المرحلة المتوسطة – أن أخوض عباب البحر وأسبر أغوار علم العروض ، لأنجح في كتابة أبيات موزونة سليمة من الكسر ومن الخلط بين البحور.

عندها عزمت على ارتياد المكتبات للبحث عن ضالتي ولتحقيق الغرض المذكور

وقع نظري على كتابين تراثيين ، الأول يحمل عنوان ( مفتاح العلوم ) للسكاكي والثاني يحمل عنوان ( العقد الفريد ) لابن عبد ربه الأندلسي

المؤلفان جعلا للعروض نصيباً من كتابيهما ، ولكنني بعد تجوال متكرر في سفريهما رأيتني أرجع بخفي حنين ، فلم أحصل على بعض نصيب من نصيبيهما .

ثم وقع نظري على كتابين خاصين خالصين في تقديم علم العروض وهما لمؤلفين معاصرين ، اسم الكتاب الأول ( ميزان الذهب ) واسم الكتاب الثاني ( أهدى سبيل إلى علمي الخليل )

الكتابان المعاصران نهجا نهج أخويهما التراثيين ؛ فقد أربكتني المصطلحات الكثيرة للزحافات والعلل ، والتفعيلات المبنية على دوائر الخليل في توزيع وتعيين الأسباب والأوتاد والفواصل .

لقد أذهلني رسم دوائر الخليل ، فتصورت أنني أقرأ في كتب السحر والطلاسم ..!

لكن كتاب ( في علم العروض نقد واقتراح ) للعلامة الأستاذ الفضلي ، بمجرد أن وقع نظري على قسم النقد فيه الذي وجهه إلى نقد المنهج القديم وخلَّص العلم من فرضيات الدوائر ومن كثير من المصطلحات المبنية على أساس منها ، ارتحت كثيراً لأن الكتاب قد نقد جانباً شكل عقبة لي حالت بيني وبين تعلم بحور الشعر وأوزانه .

ثم كان كتاب العلامة الفضلي الثاني ( تلخيص العروض ) خالصاً لتقديم العلم وفق منهجه الجديد ، وكان أوسع من سابقه في التطبيقات.

إن لغة العلامة الفضلي تتمتع بسحر الجاذبية ، فتغري القارئ العادي وتدفعه إلى أن يكون جريئاً يقتحم دهاليز العلوم التخصصية ، فإن حالفه الحظ ظفر ، وإن لم يحالفه الحظ ، فإنه لن يرجع بخفي حنين .

إن استعجالي وولهي بالشعر جعلني أقرأ البحور كلها وأعيد قراءتها عدة مرات ، مما سبب لي بعض التشويش من الناحية التطبيقية .

وبمقدار رشفات من ( استكانة ) شاي ، وبمدة زمنية لا تتجاوز نصف دقيقة ، قال لي صاحب المنهج الجديد في علم العروض : عليك أن تركز على بحر واحد فتتقنه من خلال التطبيقات ، ثم تنتقل إلى البحر الآخر، وهكذا دواليك حتى تتقن البحور كلها ؛ ذلك لأن التركيز على بحر سيبعدك عن الارتباك ، وبفهمه ستتضح لك الطريقة وتكون بقية البحور بمثابة أمثلة أخرى على كيفية الميزان الشعري .

طبقتُ ما قاله لي المؤلف الأستاذ ، فوجدتني أنطلق بسرعة الصاروخ في فهم العلم والوقوف على تفاصيله كلها .

عبقرية العلامة الفضلي في كتاباته تصدم وتذهل ، ولكنك لو سنحت لك الفرصة وجالسته ، فإن ذهولك سيتعاظم حين تكتشف أن لجج بحر كتاباته التي أذهلتك ما هي إلا قطرات من بحر علمه العجيب .

ستكتشف أنه يقدم العلم في كتاباته وفق خطة تربوية محسوبة تهدف إلى الأخذ بيد المتعلم شيئاً فشيئاً حتى يصلب عوده ويقف على حقائق العلوم.

وعلى طريقة الشيء بالشيء يُذكر ، سيكون مثالي الآخر على مستويات علمية الفضلي التي تفوق بكثير مستويات علمية كتاباته من خلال استفساري منه حول علم المنطق .

      سألتُ العلامة الفضلي وهو صاحب كتابين شهيرين في علم المنطق

 ( خلاصة المنطق ) و ( مذكرة المنطق ) ، وكان سؤالي حول النقطة التالية :

كيف لنا أن نوفق بين ادعاء المنطق بأنه يُعلِّم التفكير الصحيح وأن العلوم كلها تحتاج إليه ، بحيث عبر عنه بأنه خادم العلوم وسيدها ، وبين طريقة الدراسة الجامعية للعلوم الطبيعية والإنسانية في الدراسات المعاصرة ؛ فإن مبدعي التقنيات الحديثة والمنظرين والباحثين لم يدرسوا المنطق ، ومع ذلك فإنهم فكروا وكان تفكيرهم صحيحاً أنتج لنا كل التطور التقني الذي نتمتع اليوم بمنتوجاته ؟!

تبسم العلامة الفضلي قليلاً ، ثم فاجأني بقوله : إن علم المنطق يعتبر من مناهج البحث القديمة التي تعود إلى أيام أرسطو، أما الآن فقد تطورت مناهج البحث ، وتفكير الباحثين كانت نتائجه علمية سليمة تبعاً لمناهج البحث الحديثة ، وبهذا اللحاظ لم تعد الحاجة إلى منهج بحث عمره بعمر أرسطو..!

فما الحاجة – والحال هذه – إلى تسليط الأضواء على منهج بحث بعمر أرسطو ؟!

المنحى التربوي لدى العلامة الفضلي سيقول لنا : إن الحاجة تربوية تهدف إلى عرض المنطق القديم بأسلوب واضح ليتسنى للدارس هضم مطالبه بيسر ، فلا يقع فريسة التعقيد اللفظي والعبارات المغلقة كما هي حال المصنفات السابقة الكثيرة .

وبدراسته يستطيع الباحث أن يفهم العبارات التي حُشيت بمصطلحات منطقية.

  ففي علم النحو يأتي ابن صاحب ألفية ابن مالك المعروف بـ ( ابن الناظم ) حين يشرح قول أبيه :

                   \\\"كلامنا لفظ مفيد كاستقم .... واسم وفعل ثم حرف الكلم\\\"

يبدأ ببيان الفرق بين ( الكلام والكلم ) فيحشر المصطلحات المنطقية في شرحه ليخبرنا بوجود ( خصوص وعموم من وجه بين الكلام والكلم ) ولا يعرف طالب النحو معنى ( الخصوص والعموم من وجه ) حتى يدرس ( النسب الأربعة ) في ( علم المنطق ) .

وبإقحام المصطلحات المنطقية في علوم العربية والعلوم الشرعية ، ستكون الحاجة إلى دراسة المنطق الأرسطي مطلوبة لغرض فك العبارات الملغزة بالمصطلح المنطقي.

بينما نجد أن ابن عقيل لم يحشر المطالب المنطقية في شرحه للبيت نفسه

فدارس ابن عقيل لا يحتاج إلى منطق أرسطو ليفهم النحو ، مثلما يحتاج إليه دارس ابن الناظم .

وكما وقع كثير من كتّاب اليوم في دائرة الانبهار بالمصطلحات الأجنبية ، حتى إنك قد تصادف مقالاً بحجم صفحة واحدة أو صفحتين يحشر فيه كاتبه كلمات من قبيل ( آيديولوجيا ، ميثولوجيا ، سوسيولوجيا ، وكل عائلة لوجيا ...) ، وقع أيضاً الكتّاب القدماء في دائرة الانبهار بالفكر اليوناني إبان حركة الترجمة والنقل في العصر العباسي .

وقد يحتاج الدارس الحديث إلى الاطلاع على المنطق الأرسطي للاستضاءة والتعرف إلى تاريخ مناهج البحث .

ولهذا وذاك كانت خلاصة الفضلي ومذكرته في علم المنطق ، ولتأكيده على أهمية مناهج البحث الحديثة التي تنبع حاجتها من موضوعيتها الذاتية في توجيه البحث العلمي الوجهة الصحيحة ، كان كتابه الموسوم بـ ( أصول البحث ) ملبياً الحاجة المذكورة ، بخلاف المنطق القديم المقتصرة حاجته على فك عبارات المصنفات المغلفة بمصطلحاته ، أو المساهمة في إضاءة تاريخ منهجية البحث كما تقدم.

رحم الله العلامة الفضلي ، فقد كان متفانياً في تواضعه ، مخلصاً في عطائه ، يجبر من يجالسه أيَّاً كان على تبجيله والإعجاب به إلى درجة الذهول ، وكانت ولا زالت آثاره العلمية تشكل بوابة يطل من خلالها القارئ على شخصية علمية فذة سيبقى يراعها معيناً للواردين وكنزاً معرفياً عظيماً تُشدُّ إليه رحال القاصدين .

 

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1210
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629703
المتواجدون الان: 2