السيد أمين السعيدي
السبت, 21-02 01:19 صباحاً
الشمس تَدور حول الأرض!! رؤية فلكية وفلسفية ودينية
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق.
(0) تعليقات

ميكانيكية كشْف الدوران:

منذ أوائل مراحل الإدراك في طفولة أي إنسان، يَعتقِد بالملَكات الحسِّيّة وبرمجتها لقوى النفس التي منها قوة المتصرفة وقوة الوهم وأعلاها قوة العقل، يَعتقِد بعيداً عن التلقين أنّ الأرض ثابتة، وأنّ الفضاء هو الذي يتحرَّك حولها؛ بدلالة معاينة الحواس إلى ثبات الأرض دون التَّمَيُّدِ والارتجاج الذي تستدعيه الحركة بالعادة والطبع، وبدلالة الغيوم التي تسير أمامنا في السماء؛ إذ لا يعقل أن تكون الغيوم ثابتة والأرض تتحرك حولها، فالغيوم هي التي تتحرك خصوصاً مع الملاحظة البصرية لسرعة سير الغيوم ..، وكذا بدلالة أنّ الشمس تخرج من المشرق وتتحرّك نحو المغرِب ..؛ فكل هذه الأمور نراها دون حاجة لأي آلة مخترَعة كالمنظار والتلسكوب الحادث المتطور وغيره.

 

وإذا وضعْنا أمامنا الكواكب والنجوم الفلكية؛ وقسناها منطقياً بقياس الحس المجرَّد، من مركز تواجدنا في أي مكانٍ من الأرض؛ فسنجد أنّ أي كوكبين يوضعان في المخيّلة ولو بالفروض الجدلية، هما في الفضاء لا يمكن معرفة من يدور حول من؛ إذ يحتاج لأن نصعد إلى فضاء أعلى من فضاء الكوكبين؛ أي أن نتعدى حدود الكون كله، لنحكم مَن منهما يدور حول الآخر، شريطة أن يكون ذلك الحد الخارج ثابتاً وأن يكون أحد الكوكبين مركَزاً وثابتاً أيضاً؛ وهذا يعني منطقياً أنّ (أصل فرضية الدوران) قابلة للوقوع والتسالم، لكنّ (أصل القدرة على الحكم بمن يدور منهما حول الآخر) فهي مستحيلة إلا حال إمكانية توفّر الفرض المذكور، وهو الصعود إلى ما بعد حدود الفَلك كاملاً ثم النظر بالحواس؛ وهذا الفرض كما هو معلوم ممتنع حتى الآن ولا يوجد عالِم يدَّعي أنه قابل للحصول على الأقل إلى اليوم.

 

بالتالي؛ فإنَّ أي شخصٍ يدعي بمجرَّد الحواس والتحليل العقلي بأن الأرض تدور حول الشمس أو الشمس تدور حول الأرض فهو علمياً مجازِف؛ لأنّ  أي كوكبين (مدوَّرَين أو شبه مدورين هندسياً) في فضاء متسع الآفاق يمكن بالوقوف عند نقطة مركزية منه مقابِلة لأحدهما قابلة لأن تعطي نفس النتيجة الدَّوَرانية في حق الآخر تماماً.

 

يبقى أن نفترض فرضية أخرى؛ وهي إضافة الشخص الثالث المتمثل في كوكبٍ آخر غير الكوكبين، بحيث يكون معمها في نفس الفلك، فيقع القياس الحسي والمنطقي عليهم جميعاً من مجموع الدوران. وهذا الفرض هو حيث اليسر أيسر بكثير من الفرض السابق، ولا يحتاج إلا للصعود فقط للفضاء القريب دون موجِبٍ لتجاوز حد الكون لإرصاد الحكم وإصداره، وهو وإن كان متعسراً في زمن الإنسان البدائي القديم إلا أنه بات سهلاً في تاريخ الإنسان اليوم بعد مرحلة التطور ولو على مستوى القدرة للاطلاع على منظومة كوننا الخاص هذا.

 

أمّا كيف تكون النتيجة هنا تمتاز بحدٍّ علمي إضافي عن النتيجة السابقة في الفرض السابق؛ فهذا يتضح بالبيان المبسَّط التالي:

 

إنَّ أي حركة متعددة الجهات في عدد لا يقل عن ثلاثة بمجال فراغي مدروك، تكون قابلة لرسم أبعاد الحركة من حيث الدوران المراد إثباته؛ فإذا وقفنا في نقطةٍ مشاهَدية مركزية بين الثلاثة وكان الواقع التكويني الحقيقي لهم هو الدوران حول قطبٍ معيَّن؛ فإنَّنا سنخرج بنتيجة قطعية تنص على طبيعة الحركة بحيث تشير لذلك القطب، شريطة أن لا يكون أحد الثلاثة يدور حول واحدٍ من الثلاثة فقط؛ إذ لو كان أحدهم كذلك؛ لكان محسوباً عليه ومنه؛ بالتالي سيتم جر الفرض السابق ونتائجه إلى هذا الفرض تماماً.

 

ولنعتبر الأمر تطبيقياً هنا بالواقع بعيداً عن التجوُّزات والافتراضات اختصاراً للمسألة، ولنأخذ على سبيل المثال الأرض والشمس والزهرة باعتباره أقرب إلى الأرض من زاوية الشمس. فإننا لو وقفنا في زاويةِ مشاهدةٍ مركزية؛ فسنلاحظ بالحس البصري بوضوح من يدور حول من.

 

فما بالك لو أضفنا للثلاثة طرفاً رابعاً وخامساً وسادساً ..، عطارد والمريخ والمشتري وزحل وأورانوس ونبتون والأقزام الخمسة ...؟

عندها ستكون خارطة الدوران واضحة، ولن يَحجب حداً للنتيجة العلمية شيءٌ بتاتاً.

 

بهذا تلخَّص مما سبق أنّ الأرض قطعاً ويقيناً هي التي تدور حول الشمس، وليس الشمس تدور حول الأرض، وإلا فإنكار ذلك هو مِن ضروب إنكار بيضاوية الأرض بعد التشريح الفلكي القائم على المشاهدة الخارجية لهندسة الأرض.

إذا اتضح هذا؛ يبقى أن نجيب على ثلاث مسائل علمية مهمة في هذا المجال؛ وهي:

 

المسألة الأولى: (دوران الأرض ضِمن غلافها).

في ظل كون الأرض تمتاز باحتوائها على غلاف جويٍّ مختصٍّ بها، نَسأل: إذا كانت الأرض تدور حول الشمس؛ فهل هذا يعني أنّ الأرض تدور بغلافها كاملاً حول نفسها، أم تدور داخل غلافها؟

 

وبعبارة أخرى:

الآثار الكونية التي نراها حول الأرض خاصة، وتتحرك، هل الحركة منها أم من الأرض أم من كليهما؟

وبتعبير ثالث:

ثبتَ أنَّ للأرض غلافاً جوياً يحميها من آثار الفلك الخارجي، وبالمشاهدة بالبصر المباشر نلاحظ وجود حركة واقعة بين الأرض وغلافها؛ فهل للأرض حركتان فلكيتان، حركة خارجية حول الشمس وأخرى داخلية في غلافها أو بغلافها، أم حركة واحدة هي نفس حركتها حول الشمس؟

وكذا ما هي طبيعة الدوران الآخر إن كان؟

 

الجواب:

إننا بعد أن أثبتنا مركزية الشمس في منظومتها؛ نستطيع بكل بساطة أن نحدد حركةَ أيِّ كوكبٍ آخر، من خلال –مثلاً- مركز الشمس نفسه؛ إذ المركز كفيل بإعطاء النتائج اليقينية على هذا الصعيد دون أي خلل يتخلل النتيجة العلمية.

وبمثال تقريبي: لنا أن نرمي عنصراً في الهواء بخط مستقيم لبُعدٍ وافٍ زمنياً شريطة أن لا تؤثر به أي مؤثرات أخرى غير الجاذبية، ولا يتعدى الغلاف الجوي للأرض، ثم نقيس نقطة الرمي مع نقطة السقوط.

وبمثال تطبيقي قابل للتجربة؛ يمكن أن نستعيض عن ذلك بمركبة جوية كالطائرة الميكانيكية مثلاً، ثم نعمل على تسييرها بسرعة واحدة في أربع جهات أفقية بزاوية عمودية ومسافات متساوية، ونرى كم تستغرق كل رحلة من الأربع مع تكرار التجربة عدة مرات بالاستقراء الناقص المعلَّل المنتِج لليقين المنطقي؛ فهذا كما سيفيدنا بأنّ الأرض تدور حول نفسها أم لا، كذلك سيفيدنا بأن دوران الأرض حول نفسها هل هو طولي أم عرْضي؟  وكذا سيفيدنا بأنّ دورانها حول نفسها هل هو من اليمين إلى اليسار أم العكس؟

 

بالتالي؛ فإنّ الأرصاد الفلكية تشير بوضوح إلى أنّ للأرض حركتين لا حركة واحدة، غاية الأمر أنّ حركتها المرتبطة بدورانها حول نفسها تحتاج لشيءٍ من البرهان من حيث غلافها الجوي الذي يعمل على الإيهام والتدليس اليقيني؛ وهو من بعض العلل التي أوقعت البعض في شبهة أنَّ الشمس تدور حول الأرض.

 

وهنا أيضاً للتقريب يمكن أن نقيم تجربة حسية بعيداً عن آلة المنظار؛ وهي وإن كانت تطبيقياً اليوم مِن جنسِ الافتراضيات، إلا أنها من حيث المنطق العلمي صحيحة تامة؛ مفادها: أنْ نعلِّق عنصراً ممتداً بزاوية قائمة لجهةٍ فضائيةٍ ما من ناحية الشمس بثبات، يتوسَّط بين الغلاف الجوي والأرضي بالقياس لنقطة ثابتة في الغلاف، ثم نرى هل هنالك حركة مجتمعة بالاتحاد الملازمياللامنفك بين الأرض وغلافها أم افتراق بثبات الغلاف مع حركة الأرض داخله أم حركتان متعارضتان متعاكستان أم متوازيتان، مع ملاحظة نسبة التوازي ونسبة التعارض على فرض أحدهما.

فيجب إذاً أن نأخذ هذه الفروق بعين الاعتبار لتحديد جهة الكلام وعدم الوقوع في الإيهام والخلط الذي وقع به البعض.

 

وعليه؛ لو مثلاً وضعْنا عنصراً يتوسط بين الأرض وغلافها، وكان الواقع الحقيقي في الحركة هو أنّ مجموع الأرض بغلافها وما بينهما يَدوران معاً دوراناً اتحادياً؛ عندها لن يكون ذلك العنصر المتوسط بينهما نافعاً للحكم على الأرض بعدم الدوران حول نفسها؛ إذ سيلزم في البحث عن حقيقة ذلك أن ننقل العنصر لما بعد الغلاف ومن ثمَّ نحكم، وهذا بعكس ما لو كانت الأرض تتحرَّك بمَعزَل الاتحاد بينها وبين غلافها وما يتوسط بينهما، أو بالاتحاد بينها وبينه دُون ما يتوسط بينهما؛ إذ ستكون قراءة العنصر المتوسط بينها وبين غلافها مفيدة من حيث كشف دورانها حول نفسها ..

علماً أنّ الآثار السماوية التي نراها تتحرَّك بقُرب الأرض كالسُّحب والغيوم ليست هي المشَكِّلة للغلاف؛ فهي إنما مجرَّد أفاعيل للمؤثِّرات الجوّيّة والبيئية تَنفعل بحركة الرياح وغيرها تقع بين الأرض وغلافها.

 

المسألة الثانية: (المقارَبة والمفارَقة بين نظرية الفلاسفة والفلكيين).

في الوجهة الأخرى ذهب أساطين الفلاسفة إلى أنّ القمر هو المدبِّر لعالَم آخر التنزلات الوجودية المادية المتمثل في عالمنا ومجرتنا الخاصة هذه، واستدلوا لذلك بعدة وجوه ليس هنا محل بيانها؛ فإن شئتَ فلتعُد لبحوثنا المفصَّلة.

فالذي يهمنا في الأمر بما يتعلق بمرحلة بحث المقام هو أنَّ القول بتدبير القمر لكوننا هذا ألا تتعارض وبقوة مع مركزية الشمس للكون؟

 

الجواب:

يجب التفريق بين مسألتين: (مسألة التدبير) و(مسألة المركزية)؛ إذ أن التدبير والمركزية ليسا من مقولة التناقض؛ بالتالي يمكن أن يكون لهذا دوره الكوني ولذاك دوره.

أضف إلى هذا أنَّ القمر يُعتبَر من توابع الأرض؛ لذا لا يُعد كوكباً من كواكب المنظومة الشمسية؛ بالتالي هذه المفارقة الجوهرية بينه وبين بقية كواكب منظومتها يكشف لك عن معطيات علمية دقيقة وبارعة في قراءة (حركة الكون) و(تفسير مراتب الوجود).

 

زِدْ عليه أنَّ الفصل بين الفلكي والفيلسوف بهذه الطريقة هي مجازفة تدل على عدم العلم بأنّ علم الفلك هو أحد أقسام الفلسفة ومن مهام الفيلسوف مِثْله مِثل علم الفيزياء والكيمياء واللِّيمياء ..؛ إذ تنقسم الفلسفة إلى أقسام؛ منها العلوم النظرية أو الحكمة النظرية المنقسمة إلى الفلسفة الأولى أو الإلهيات أو العلم الكلي أو العلم الأعلى أو الميتافيزيقيا (الثيولوجي)، والرياضيات أو الفلسفة الوسطى أو العلم الأوسط (ومنه الحساب والهندسة والهيئة ..)، والطبيعيات أو الفلسفة الدنيا أو العلم الأدنى (ومنه السماع الطبيعي والفلكيات والعنصريات و\\\"فلسفة النفس حسب اعتبار الحكيم صدر المتألهين مؤخَّراً\\\")، والعلوم العملية أو الحكمة العملية المنقسمة إلى الحكمة الخُلقية أو فلسفة الأخلاق والفضائل والرذائل، والحكمة المَدنية أو تدبير المجتمع وسياسة المدن وتدبير الدُّوَل، والحكمة المنزلية أو علم تدبير المنزل، وإن كان المتبادر اليوم من لفظ الفلسفة هو مَباحث الإلهيات. والمصطلح في ذمة التاريخ.

فالفيلسوف إذاً هو بالأساس فَلَكي؛ بالتالي كيف يتعارض مع نفسه بنظريتين؟! فاللازم أنّ المنظومة الفكرية واحدة لديه؛ وهذا يغنيك في تحليل لفظَي (التدبير والـمَركز) ..

 

المسألة الثالثة: (التعارض بين النظرية الفلكية والقرآن والكنيسة).

كانت الكنيسة، سيما في فترة السيطرة وقيادتها للميدان العلمي لدى العصور الوسطى، تَعتقِد بأنّ الشمس تدور حول الأرض، بالمستوى الذي كلَّفَ طالب جامعة بيزا الإيطالي غاليليو فينسينزو غاليلي الفلكي والفيلسوف والفيزيائي ثمناً باهظاً عندما اكتَشف بمنظاره الفريد أنّ الأرض هي التي تدور حول الشمس وليست الأرض هي مركز الكون خلافاً للكنيسة وتعاليم الإنجيل والعقيدة التي سادت قرابة خمسة عشر قرناً من عمر الإنسان، حتى أُرغِمَ على التوبة، فأَعلن توبته وخرج وهو يهمس مع نفسه قائلاً: \\\"لكنها تَدور\\\"!

ثم بعد اللُّتَيّا والّتي، اعترفتِ الكنيسةُ بدوران الأرض مع الأحداث المتسارعة المعروفة التي نالت من أكابر الفلاسفة وعلماء الفلك الذين كان من بينهم الراهب الكنسي والفيلسوف اللاهوتي الإيطالي نولانو المعروف ببرونو دي نولا أو جوردانو الذي حكمتْ عليه الكنيسة الكاثوليكية بالهرطقة والبدعة ثم تكفيره وإقامة الحد الفظيع عليه بتطبيق أبشع أنواع القتل، مما دَفع بها للاعتذار فيما بعد.

ثم جاء النبي الجديد محمد بن عبد الله بن عبد المطَّلب الهاشمي القَرَشي (ص)، فأَعلَنها صريحة بأنَّ الشمس تجري لِمستَقَرٍّ لها.

 

من هنا كان علينا أن نتساءل:

 

·       أ- إذا كانت الشمس هي التي تَدور بصريح قول النبي؛ فكيف نقول بصحة نبوته مع ارتكابه للخطأ العلمي ووجوب عصمته ولو بحدود تبليغه للأحكام! وهو لم يكن يمتلك منظاراً ولا تلسكوباً وقد أشرتم في تحليل المسألة من بداية الكلام إلى ضرورة البُعد الكوني لتحصيل النتيجة العلمية الوافية والجازمة.

 

الجواب إيجازاً في نقاط:

أولاً:

ثَبت في العلوم الفلسفية العالية أنّ أي نبيٍّ فهو يَمتلك آلات معرفية دقيقة أقوى من التي لدى البشر العادي، وهذا عين الفارق الذي يَفترِق به عن غيره من سائر الناس؛ فالنبي لديه قوَّة نفسانية فوق قوة العقل تتصل بالعقل الفعّال المتصل مباشرة بالعقل المجرَّد الحاوي لجميع الكمالات والعلوم على الإطلاق، فيَأخذ المعرفة منه صافية بالمباشرة دون أدنى غشاوة.

بالتالي؛ فإنّه يَمتلك آلة أقوى جداً من أي آلة تلسكوبية أو منظارية بشرية من جنسِ الآلات المعتادة، ويمكنه الكشف لنا عن معارف علمية بمنتهى الدقة.

 

ثانياً:

لا نُسَلِّم بأنَّ النبي يختص بعصمة التبليغ الحُكمي فحسب؛ فهذه النظرية الباطلة لا تصمد أمام البراهين، وقد نالها النقاش الكلامي كثيراً في علم الكلام وإن ذهب إليها بعض أتباع المذاهب الإسلامية إلى يومنا هذا؛ وأقل ما نقول في ردها أنه لو كان يختص بذلك لانسحب الأمر حتى على التبليغ الحكمي ونال الناس الشك والإيهام والإبهام في أحكام الله تعالى؛ وهو بالنتيجة يَستلزم بطلان الغاية من النبوة وفساد النظام اللازم تقويمه بالنبوة نفسِها لا العكس.

زد عليه أنّ لقائلٍ أن يقول -ولو جدلاً- بأنّه: مادامت العصمة النبوية مختصة بتبليغ أحكام الدين؛ فلا يضر خطأ النبي في هذه المسألة؛ إذ لا قيمة لها على مستوى خصوص الأحكام الدينية التي مائزها هداية الناس في الأمور المتصلة بنظام معاشهم وحياتهم على قاعدة وظيفة (التبشير والإنذار).

 

لذا؛ نقول بأنّ العصمة عامة تشمل هذه المسألة حتى على فرضها مسألة علمية تخصصية لا ترتبط بتبليغ الأحكام الدينية المخصوصة بالهداية العامة.

لكننا مع ذلك نقول أيضاً بأنّ المسألة ترتبط حتى بتبليغ الأحكام، لا أنها فقط تشكِّل معرفة علمية مشمولة للعصمة العامة الشاملة لجميع أقوال وأفعال وتقريرات النبي؛ فهذه المسألة كما لا يخفى لها ثمرات علمية دينية كثيرة وواضحة تعرفها بمجرَّد التأمل، سيما وأنّ كلامه (ص) فيها ليس مِن نوع الروايات، وإنما هو آية قرآنية آتية بالوحي والقوة الإلهية العليمة والحكيمة، ويكفيك شاهداً على هداية المسألة أنّ الكنيسة كانت تعتنقها وتراها من صميم عقائدها التي على أساسها كَفَّرَتْ مَن أنكرها وحَكمتْ عليه بالرِّدَّة والقتل؛ بالتالي على فرض وجود جذور دينية للمسألة في الكنيسة فهل يمكن لنا أن نقول -مثلاً- بأنّ اهتمام المسيح (ع) بها هو مِن الخارج عن مهمته الإلهية الهادية (التبشير والإنذار)  وأنه أخطأ؟

كلا؛ غاية الأمر أنّ لنا القول بأنّ الكنيسة أخطأت لا عيسى (ع) هو الذي أخطأ، ناهيك عن اعتراف الكنيسة وإقرارها بخطئها. وهو عيْن ما يؤكِّد تعرُّض الإنجيل للتحريف.

 

من هنا كان اللازم هو تحليل الآية القرآنية علمياً، والنظر فيها بإمعان قبل إصدار الحُكم، مع ملاحظة ارتباطها الوثيق بالتبليغ الحكمي والتبشير والإنذار. وهو ما تتكفله النقطة التالية.

 

ثالثاً:

إنَّ قوله تعالى {تَجري} يحتمل لغوياً أكثر من معنى؛ ومن ذلك الجريان الذاتي بالمعنى الخاص، والجريان بالمعنى الأعم الشامل للحركة والفاعلية والصلاحية وحياة الشمس وتاريخها؛ فأنت مثلاً قد تعبِّر وتقول: صلاحية الشيء الفلاني جارية المفعول؛ فهل أنت بهذا الكلام تعني أنَّ الصلاحية هذه تمشي أو تدور؟

كلا؛ إنما تقصد الحركة الضِّمنية لفاعلية هذا الشيء؛ من هنا لم يكن لأحد أن يعترض على كلامك متعجباً بالقول مثلاً: صلاحية تدور؟!

بل لو تعجَّبَ واعترَض؛ فهو الذي يستحق اللوم لا أنت.

ومعلوم أنَّ اللفظ القرآني وأي لفظ يصدر من العاقل يجب وفق القواعد والمتسالَمات العرفية أن يُحمل أولياً على المراد الصحيح بقرينة الحال والـمَقال، سيما في المفاهيم المرادة بالإرادة الإخطارية الجِّدّية فضلاً عن التصورية منفية الهزل، ومما لا شك فيه أنّ الوحي إنما يَتلفظ دائماً بالدلالة الجدية الـمُحكَمة نوعياً للقصد التام وفقاً لطبيعة وظيفته.

من هنا كان لابد من تسييل المعنى وإسقاطه على واقع المسألة، خصوصاً وأنّ الآية لم تكن بصدد الحديث عن الشمس في قبال الأرض حتى يتم إقحامها وبقوة غريبة في بحث الدوران المنظومي الكوني على الإطلاق ومن ثم تحميلها ما لا تحتمل وإفقادها لإعجازها الرائع على الصعيد المعرفي والهدي والسُّنن الإلهية التبشيرية والإنذارية باستهلاك الشمس لطاقتها واحتراقها؛ فتَفَطَّنْ تَفْهَم.

 

ثمَّ إنَّ هذه الآية مثيل بيضاوية الأرض، وقوله تعالى بأنها مبسوطة ومَدحية وممدودة ..:

{والأرضِ وما طَحَاها}، {واللهُ جَعَلَ لكُمُ الأرضَ بِسَاطاً}، {والأرضَ بَعْدَ ذَلكَ دَحَاها}، {الذي جَعَلَ لكُمُ الأرْضَ فِراشاً}، {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرضَ مِهاداً}، {والأرضَ مَدَدْناها وأَلْقَيْنا فِيها رَوَاسِيَ وأَنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شيءٍ مَّوْزُونٍ} ..؛ فأراد مِن الطحي والبسط والدحي  والفَرش المِهاد والـمَد .. نفس نعمة وطريقة تأهيلها لأن تكون فِراشاً ومهداً لكل زوجين خلقهما ولكل شيءٍ أوجده عليها لتكون صالحة للحياة بجميع أنواعها البرية والبحرية والجوية ..، بما يستوجب العبودية له تعالى وحده والشكر والحمد، ولا علاقة لذلك بمقصد وصف شكل الأرض من حيث هل هي كروية أم لا.

ومِثلُ ذلك قوله تعالى: {وأَلْـقَى فِي الأرضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وأنهاراً وسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون}؛ فهو لا يعني أنّ الأرض لو كانت تتحرَّك لمالت بمن عليها، سيما وأنّ الأرض تَسْبَح في الفضاء المترامي ومفعمة بالحياة مِن فوقها ومن تحتها، ولا استحالة في أن تدور دون أن تميد بنا ميداً يَمنع من الاستقرار واستتباب الحياة، كله مضافاً إلى أنّ المراد بالرواسي هي الجبال العظيمة المتصخِّرة المقوِّمة لثبات الأرض وتَوازنها بما يفسِّر لنا الآية بوضوح في أي سِياقٍ تتحدَّث {وجَعَلْنا فيها رَواسِيَ شامخاتٍ وأَسقيناكُم ماءً فُراتا} ..

 

·       ب- ورَدَ في الرواية عن رسول الله (ص) أنّ البيت المعمور الذي تعمره الملائكة بذِكر الله وتسبيحه سبحانه واقعٌ في السماء العالية، وأنّه عمودياً يقع فوق البيت الحرام والكعبة المشرَّفة مباشرة، وأنه لو سقط منه شيء لَسَقط على الكعبة مباشرة؛ وهذا يعني أنّ الأرض لا تدور حول نفسها، وإلا لو كانت تدور حول نفسها للَزم من ذلك بطلان كون البيت المعمور فوقها مباشرة؛ وهو ما يتعارض مع الحديث، ومن ثم يجب التسليم بعدم دورانها وجعل المسألة توقيفية على إدلاء الشرع.

 

الجواب أيضاً بإيجاز في نقاط:

أولها:

على فرض سلامة سند الخبر المذكور، فإنه لو لم يمكن تخريجه والتوفيق بينه وبين المقطوع به على اليقين؛ فيجب ضَرْبه بعَرْض الجدار وِفاقاً للقواعد والنصوص الشرعية الثابتة المتيقنة المؤسِّسة لها.

 

ثانيها:

وهو دليل نقضي؛ نقول: نفس إيمانكم بأنَّ الأرض تدور حول الشمس يَنسحب بتمامه على الإشكال ويقع مشمولاً له؛ إذ أنَّ الحركة الانتقالية بمختلف صورها الديناميكية تعني التغيُّر في الوضع؛ ومنه يَنتج أنَّ دوران الأرض حول الشمس وعدم كونها الـمَركز يعني أنّ البيت المعمور لن يكون دائماً فوق الكعبة تماماً؛ فماذا تفعل بهذا التعارض الفادح؟!

 

ثالثها:

يمكن تخريج مفاد الخبر بأنّ البيت المعمور يدور حول الأرض موازياً للكعبة، سيما وأنّ الكون يدور والسماء مستقطباً حياته وبقاءه والدنيا تَسبَح كاللؤلؤة داخل سماوات متعاقبة أوسع من بعضها البعض بالتسلسل والأشرفية الكمالية على سُلَّم مراتب الوجود؛ فما المشكلة الممانِعة من ذلك! فليدور البيت المعمور، فلو دار فهو أحسن له.

مع الإشارة إلى أنّ السماء السابعة لا تعني التجرّد المطلق وإلا لَـمَا كان هنالك وجه في تعدد الملائكة وتشخُّص البيت المعمَّر في بها، فهي سماء عُلوية أشرف كمالاً مما يليها من السماوات ومتسلطة عليها تدبِّرها، وما بعدها من فوقها مجالٌ فسيحٌ لا تدركه عقولنا القاصرة يَفْعَم بالعجائب (اللاهوتية) و(الجامعية).

 

فإن قيل:

لو دارت الأرض ودار معها الفلك العُلْوي بالتوازي والتزامن بين البيت المعمور والكعبة لاستَلزم أن تقع لحظات لا يحصل فيها التوازي والتزامن المذكور؛ إذ بفعل دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ستتوسط الشمس أو بعض الكواكب بين الكعبة في الأﺭﺽ والبيت في السماء.

 

قلنا:

نَقْضياًنفس هذا الكلام يحصل أيضاً حال القول بأن الأرض تدور حول الشمس وكذا القمر يدور حول الأرض وأن في الفضاء نيازك وشُهُب سيارة كبيرة ...، ومع ذلك تقولون بأن البيت المعمور يقع مباشرة عمودياً فوق الكعبة رغم طول المسافة بينه وبين البيت الحرام.

وحَلّياً: لا يَمتنِع أن يكون البيت المعمور بالدوران على حالة موازية تماماً للكعبة المشرفة دائماً؛ ذلك باعتبار أنه يمكن أن تتدخل القدرة الإلهية بجعل المنطقة الممتدة بينهما في الفضاء خالية تماماً من جميع الحواجز السيارة أو الثابتة، ويكون موضع الشمس دائماً بزاوية حادة لا تلتقي في تلك المنطقة إلا بشعاعها وضوئها، وكذا القمر وغيره من الكواكب والكائنات العابرة.

 

هذا؛ وليس في الحديث ما ينص على عدم وقوع الحواجز في المنطقة الواقعة بين البيتين القدسيين ولو للحظات بسيطة، كما أنّ الظاهر منه أنه بصدد بيان أنّ فوق البيت الحرام بيتاً مثالياً قدسياً للملائكة للعبادة شبيهاً، بغَضِّ النظر عن الحيثيات الأخرى.

وحتى وصْفه لوقوع الشيء من ذلك البيت بأنه لو حصل لَوقع على البيت الحرام، إنما هو مَسوق لأصل بيان هذه المعرفة الناصة على الفوقية والتوازي وتصب في ذات مبدأ الهدي، سيما وأن البيت ذاك يُفترَض أن لا يكون أساساً يمكن أن يسقط منه شيء؛ باعتباره مِن جنس الكائن المثالي، وأنّ التعبير بسقوط شيء إنما مراد للتشبيه باستعمال منطق التمثيل للتقريب والتفهيم مثيل التشبيه بالنخيل في الجنة والثمر والخيرات بصورتها المادية لتحصيل الغرض الأصل من البيان والتبليغ الأنبيائي، وهو من الأساليب والاستعمالات الصحية والمنطقية والحُسْن العقلي بعد عدم المؤهلية لاستعمال الأساليب الأتم والأعلى مِراساً في الإلقاء والتلقي من المخاطَب، خصوصاً وأن المجتمع آنذاك لم يكن معتاداً على التلقي للمعارف المجرَّدة، بل وحتى اليوم لا يزال المجتمع البشري العام بهذه الطبيعة الطبيعية؛ إذ الإنسان مجبول على الاستئناس بحسِّه أكثر من متجردات عقله؛ ولهذا نجد كيف أن المنهج المادي يطغى على الشعوب وحتى كثير من المفكرين.

 

ختاماً:

إنه ليس من البعيد أن تكون الشمس هي أيضاً تدور كما بقية الكواكب، فكل المنظومة تدور والشمس تدور معها جَرْياً، أو تَعمل دينامياً على تدوير الكواكب بدورانها وجريها، غاية الأمر أنَّ الشمس تدور كدورانهم حول نفسها باعتبارها الـمَركز.

وإنّ القمر بروحه العظيمة خَرَجَ عن منظومة الشمس واخترَقَها بقوّته وسطوته، فجَعَلَ يدور حول الأرض ويدبِّر الحياة فيها بمختلف الأشكال (الـمَدِّية) و(الجَزْرية) المسؤولة عن بقاء كل الحياة، بخلاف بقية الكواكب السّيّارة الدائرة حول الشمس، متجاوزاً جبروت الشمس وهيمنتها على هذا الكون النازل.

هذا ما وددتُ إجلاء الأمر فيه مختصراً بعدما بلَغَني البارحة 29ربيع الآخر1436هـ أنّ هناك جدلٌ في وطني وفي الإعلام والصحف حول المسألة، عسى أن يكون به فائدة متواضعة لإخواني والباحثين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1166
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629659
المتواجدون الان: 4