السيد أمين السعيدي
الاثنين, 09-03 05:16 مساءً
مشروع المواطَنة، بين العقل والدِّين/المعارف البشرية(1)
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق.
(0) تعليقات

مشروع المواطَنة، بين العقل والدِّين/المعارف البشرية(1)

 

قبل كل شيء؛ ينبغي لنا طرح الأُسس المتماسكة لأيِّ بحثٍ علميٍّ يراد خوضه، وتفكيك مفاهيمه واستعراضها بصورة منسابة مع بعضها بإِحكام وتَناغم وانسجام، وبِناء الهيكلية الحصينة على قاعدة تلك الأُسس المتينة، مع الرد على كل إشكالية يمكن لها أن تَطرح نفسها أمام القاعدة المفهومية التأسيسية أو البناء الهيكلي (الداخلي والخارجي)؛ وهذا ما سنعمَد له إن شاء الله تعالى في حلقات هذا البحث المتواضع ضِمن عناوين هذه المقالات المتلاحقة بحوله سبحانه، عسى أن نقدِّم من خلالها رؤية واضحة تخدم المؤمنين والإخوة المثقَّفين والباحثين. فعلى بركة الله أَبدأ وبه أستعين.

 

المعارف العقلية والبشرية:-

 

يَلزم علينا في هذا البحث المهم أن نعترف أولاً بالعقل وقِيَمِه المعرفية الصحيحة، كما يَلزم علينا أن نعطي للدين قيمته الواقعية الفاعلة في حياة الإنسان وتَقدّمه وازدهاره. فليس لأصحاب التوجهات السياسية إنكار القيمة المعرفية للدين، ولا للمتشددين من الإخوة المتدينين الحق بإنكار القيمة المعرفية للعقل، وهذا ما نثبته إن شاء الله تعالى بالرهان الذي هو المَرجع الأوحد في كلِّ كلامٍ علمي.

وكذا علينا –في هذا المَدار- أن نميِّز ونفرِّق بين قسمين من العقل، وقد سبق في وقفات آنفة أن أوضحنا ذلك مفصلاً؛ لذا نكتفي هنا بموجز مبسَّط ومختصر بما يفي بتنوير المَطْلب، فنقول:

 

ينقسم العقل البشري –من حيث مفاهيمه (العامة) الذاتية والتصورية والفعلية- إلى قضايا كلية مودَعة في فطرة العقل، ويمكن تقسيم المعرفة عموماً إلى تقسيمات باعتبارات مختلِفة، لابد من التعرض لها بِدءً لتتضح طبيعة المعرفة تفصيلياً، ومن ثم نثبت واقعيتها من عدم واقعيتها، كلها أو بعضها؛ فإنّ المعرفة إنما تتحقق بتَحقق المعلوم في نفس العالم به بنحوٍ يَستلزم انكشاف الواقع على ما هو عليه دون إبهامٍ وإيهام؛ وهذا التحقق للمعلوم كما يلي:

 

أولاً: (الحضوري والحصولي).

 

فالتحقق للمعلوم إما أن يَكون بنفسه ووجوده الخارجي؛ فيسمى (العِلْم الحُضُوري)؛ وهذا من قبيل: عِلْم النفس بذاتها، وبشؤونها الذاتية كالحُب والبُغض. فهنا في هذا العقل لا توجَد صورة ذهنية للمعلوم، وإنما يوجَد حضور ذاتي له في حاقِّ ذات النفس وصميمها؛ ويمكن أن نسميه بـ(العقل الذاتي).

ففي العقل الذاتي هذا، يَحضر المعلوم بنفسه مباشرة كاملاً في النفس بجميع آثاره، وفي أحوال النفس لا يكون له وجودٌ استقلاليٌّ تَشخُّصي في الخارج إلا بمقدار ما ينتج عنه من آثار نفسانية تدل عليه.

 

وإما أن يكون التحقق للمعلوم لا بنفس وجوده كالعلم الحضوري، وإنما بصورتِه وماهيّته المنتزَعة الحاكية عنه؛ فيسمى (العِلْم الحصولي أو العِلْم الكَسْبي)؛ وهو من قبيل: عِلْمك بأنَّ الحديد يتمدَّد بالحرارة، وكعِلمك بأنَّ أفريقيا ذات طبيعة جميلة، وعِلمك بأنّ المجتمع ينهار بتبرج المرأة، وعلمك بأن السائس الدكتاتوري بمجرَّد أن يَسقط تترافق مع سقوطه الأزمات والعشوائية التي تسبق مرحلة التصحيح والبناء والازدهار ...؛ فهنا توجَد صورة ذهنية لديك حول جميع هذه المعارف التي أنت إنما تحصَّلتَ عليها بالتَّتَبُّع والحركة والبحث والنظر والتفكير والاستدلال والتجربة والملاحَظة ...

فالصورة الإدراكية في العقل الحصولي تَحْصل لك في ذهنك وتَنقدح، ولكنها لا تَحصل لديك بنفسها تماماً كاملة بجميع آثارها، وإنما تَحصل لديك صورة ذهنية مقشَّرة ومرشَّحة عن آثارها المادية الخارجية؛ فأنت مثلاً:

 

عندما تُدْرِك القمر وتراه بالحس البصري؛ فإنك تَحصل لديك صورة ذهنية للقمر دون أن يَحْضر القمر داخل ذهنك بذاته، وإلا لو حَضر بذاته في ذهنك لانفجر دماغك، وكذا مثلاً لو أدركْتَ النار بالحواس؛ فإنك تحصل لك صورة ذهنية للنار بطولها وعرضها وحقائقها ولكن مرشَّحة ومقشَّرة عن آثارها المادية كالإضاء الفعلية والإحراق، وإلا لو كانت النار تَحضر لديك بذاتها في ذهنك لأضاء ذهنك بنورها ولاحترق بحرارتها، وهذا بخلاف التحقق للمعلوم بالعلم الحضوري لديك؛ إذ يَحْضر عندك المعلوم بذاته كاملاً كما أوضحنا لك.

وعليه؛ بمجرد أن تقول عن المعلوم بأنّ له صورة في ذهنك؛ فهذه دلالة علمية عقلية جِدّيّة على أن هذا المعلوم حصوليٌّ كَسْبي تَحصلْتَ عليه بالتحصيل والتكسُّب العلمي والمعرفي.

 

وهذه الصورة الذهنية الحصولية التحصيلية تَكون صحيحة ومرسومة ومقشَّرة في ذهنك عن الواقع بمقدار الانكشاف العلمي الذي تحصَّلتَ عليه؛ فأنت بقدر علمك بخصوصيات وحقائق الشيء تتشكل لديك صورة مطابقة تماماً لنسبة العلم الذي نلتَه تجاه نفس ذلك الشيء؛ لذا قد تتغاير وتختلف الصور الذهنية لدينا من شخص لآخر تجاه شيء واحد؛ فتكون مرسومة في ذهن شخص بخلاف ما هي في ذهن آخر، مع أنّ الشيء واحد، والواحد لا تتغاير ولا تتعدد حقيقته؛ إذ لكل شيء حقيقة واقعية واحدة فقط؛ إلا أنه نحن بمقدار سلامة حواسنا وبمقدار الانكشاف العلمي الذي نَحصل عليه وبمقدار الدقة لدى كل فرد وسِعَتِه تَحصل لديه الصورة الذهنية المطابقة تماماً لدرجة مجهوده وعلمه بذلك الشيء؛ فتتشكّل لديه أوتوماتيكياً صورة ذهنية بنفس تلك النسبة من الانكشاف والعلم.

وهذه قضية مهمة جداً ينبغي عدم إغفالها أبداً في العلم الحصولي الكسبي، وهي مختلفة عما في العلم الحضوري؛ إذ أنّ العلم الحضوري لا يَحصل فيه التغاير العلمي، فالكل فيه سواسية لا يَختلف في المعلوم به اثنان أبداً؛ ذلك لأنّ المعلوم بالعلم الحضوري أساساً ليست له صورة ذهنية ولا يحتاج للتحصيل؛ إذ هو ليس إلا انكشاف تام للواقع ووقوع الحقيقة وحضورها بذاتها كاملة مباشرة لدى العالِم بها؛ فالاختلاف إنما هو وليد ما من شأنه أن تكون له صورة ذهنية آتية بالتحصيل والتكشف والبحث والتعلم والتكسُّب المعرفي.

 

فالعلم الحصولي هو نفس العلم المسمى بـ(التعلم والتعليم)، القابل للاستدلال؛ وبالتالي هو قابل للإثبات والنفي والأخذ والرد والمناقشة في مقدِّماته ونتائجه.

وعلى أساس هذا العلم قامت سائر العلوم البشرية؛ كعلم الرياضيات والفلك والفيزياء واللِّيمياء والطب والجغرافيا والفقه لدى الناس وعِلم الأصول وعلم السياسة وغير ذلك، فهذه كلها علوم تحصيلية تُنال منا بالعقل الحصولي.

 

إلفاتة ضرورية في العِلْم الحضوري:

 

قلنا بأن المعلوم بالعِلْم الحضوري يَمتاز عن المعلوم بالعِلْم الحصولي بأنه –أي الحضوري- ليست له صورة ذهنية، لكنّ ذا لا يعني أنّ هذا المعلوم الحضوري الذي يَحضر بذاته في النفس ليست له صورة مطْلَقاً ولو بالاقتران؛ كلا، فهو له صورة؛ لأنه هو أيضاً كالعلم الحصولي له حظٌّ في الذهن، وإلا لَما أَمكن إدراكه بالعقل، ولكن الذي ينبغي الالتفات إليه جيداً هنا هو أنّ هذه الصورة التي للمعلوم بالعلم الحضوري تكون أثناء حضوره –مع رعاية الدقة الفلسفية- وبعد حضوره، خلافاً لِما يشتبه البعض بأنّه ليست له صورة ذهنية أبداً أو أنه دائماً له صورة ذهنية. فالجهاز المعرفي الذهني لديه قوة خارقة تستطيع أن تَلتقِط صوراً خاطفة بسرعة جداً لكل شيء يمر به، بدرجة أنك لا تشعر بهذه العملية العقلية النفسانية الالتقاطية الدقيقة الرائعة السريعة جداً، التي هي بالأساس حركة إلتقاطية عقلية لا إرادية؛ وهي من النِّعَم العظمى على الإنسان، ولها حظ في الحيوان وغيره أيضاً.

 

بالتالي؛ فإنّ الصوَر الذهنية للمعلوم بالعلم الحضوري الحاصلة أثناء وبعد العلم به بالاقتران الخارجي تكون أساساً حصولية لا حضورية؛ ذلك لأنّ الصورة مِن سِمات وخصوصيات ومميزات العلم الحصولي، إلا أننا ننسبها للعلم الحضوري باعتبار أنها في هذه الحالة تَحصل بعد العلم الحضوري ولكن ضِمنَ أحوال نفسانية جزئية مرتبطة بأحداث ومعلومات حصولية اتحدت بها؛ فمثلاً:

 

الحُب هو بحد ذاته حالة كلية حضورية موجودة في نفس كل إنسان وتُستلهَم نزولياً بالحواس الخمس ولا يقع فيها الخطأ أبداً من حيث الشعور بها، وهو –أعني الحُب- من حيث الحالة المشتركة في الجميع حقيقته أنه علم حضوري لا صورة له في أذهاننا أساساً، ولكنه بمجرَّد أن تحصل لدينا حالة اقترانية من الحب لطرف معيَّن –ولنقل هذا الطرف مثلاً هو إلياس الموجود بأي نحو من أنحاء الوجود الحقيقي أو الخيالي كالأُمنيات والتوهمات وغيرها- فإنّ الذهن مباشرة بحركة لا إرادية سريعة جداً يَتلقط صورة لذلك الحُب باعتباره حُباً جزئياً قد اتحد بأمور -حسية أو خيالية- متشخِّصة أخرى ندركها بحواسنا الخمس وأمور لها صُوَر ذهنية لدينا، تماماً كنفس صورة شخص ابني إلياس الذي هو فرد في العالَم الخارجي ومِن نَوْعِ المعلوم الحصولي وله صورة حصولية في ذهني الخاص.

كل هذا مضافاً إلى أنه لولا العِلْم الحصولي؛ لَما استطعنا أن نبيِّن للآخرين ما يَحصل لنا من العلم الحضوري.

 

بالنتيجة؛ إنّ العلم الحضوري بذاته ليست له صورة ذهنية إلا عندما يَتحِد بأمور حصولية؛ فتتشكل له صورة اقترانية جزئية هي في حقيقتها مُوَلِّدها العلم الحضوري وراسمها العلم الحصولي؛ فيكون المعلوم من حيث كلّيّته الأولية حضورياً، وتكون الصورة من حيث جزئيتها حصولية؛ بالتالي فإنّ أي خلل وخطأ يقع في العلم الحضوري فهو إنما واقع في هذه المرحلة الحصولية لا في المرحلة الحضورية؛ فالعلم الحضوري هو في حدِّه معصومٌ لا يعتريه الخطأ بتاتاً ولا يُنسَب إليه الخطأ.

من هنا نقول بأنّ لكل إنسان قدر من العصمة، مهما كانت بساطة هذا الإنسان، وأيضاً من هنا نقول بأنّ الإنسان لديه إناء مؤهَّل للعصمة الأنبيائية المطْلَقة فيما لو اختاره الله تعالى، وأيضاً من هنا نقول بأنّ إناء عقل الأنبياء الحضوري هو أوسع بكثير بمليارات المرات من سعة العقل الحضوري الذي لدى بقية الناس، ومن هنا نقول بأنّ العِلم الإلهي واقع على حقيقة الأشياء وقوعاً كشفياً تاماً بالكامل، بالذات واللوازم، القَبْـلية والحالية والبَعْدية دون قبلٍ فيه سبحانه ودون حالٍ وبَعْد، ولا وجود حتى لمجرد معنى الغيب في العالَم الإلهي المطْلَق بهذا المعنى، وحتى مجرَّد افتراض الخطأ والخطاء أساساً غير ممكن لأنه سالب بانتفاء موضوعه مِن أصل؛ إذ لا يوجَد أساساً علم تحصيلي وحصولي في الذات الإلهية المجرَّدة المطْلَقة الخالِقة لكل شيء من لا شيء؛ وهذا ما يمكن أن نعبِّر عنه بالدقة بأنه سبحانه معصوم عصمة ذاتية بسيطة حقيقية حَقّة؛ وإنّ أي موجود تُشَم فيه رائحة العلم الحصولي ولو الحضوري بالإعطاء فهو قطعاً مخلوقٌ حادث مُمْكِن مَحْض الحاجة والفقر ويستحيل بتاتاً أن يَكون إلهاً حقيقياً مَهْما اعتَبَرَتِ الأوهامُ له الأُلوهية.

 

 

 

تأتي بقية الكلام إن شاء الله تعالى ..

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1214
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629707
المتواجدون الان: 2