السيد أمين السعيدي
السبت, 14-03 03:43 مساءً
مشروع المواطَنة، بين العقل والدِّين/المعارف(2)
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق.
(0) تعليقات

ثانياً: (البَدَهي والنظري).

 

وكما ينقسم التحقق للمعلوم –العلم والمعرفة- إلى العقل الحضوري والعقل الحصولي كما سبق أن بيَّنّا في الوقفة السابقة، كذلك ينقسم إلى المعلوم والمعرفة (البَدَهية) و(النظرية) أو (العقل البَدَهي) و(العقل النظري).

 

ونعني بالبَدَهي: العِلْم بالشيء مِن دُونِ توقُّفٍ على معَرِّف يوضحه ودون حاجة لدليل أو حُجة، فالعلم بالشيء في هذه المرحلة يَكون من المعاني البسيطة السهلة الواضحة؛ وذلك من قبيل:

تَصوُّرنا لمعنى الوجود والعدم؛ فالشيء إما أن يَكون موجوداً أو معدوماً ولا يمكن أن يَكون موجوداً ومعدوماً في نفس الوقت أو لا موجود ولا معدوم في نفس الوقت، وكذا مثلاً السبعة أكبر من الثلاثة، وكالخمسة نصف العشرة، وكمعنى الضدين لا يجتمعان ولكن يرتفعان؛ كالأخضر والأحمر فهما ضدان لا يجتمعان في جهة واحدة في نفس الوقت فيكون أخضراً أحمراً في تلك الجهة الواحدة، ولكن يرتفعان ويمكن أن تكون تلك الجهة الواحدة ذات لون آخر كاللون الأصفر بدل الأخضر أو الأحمر؛ فجميع هذه الأمور هي في حالتها الأولية بسيطة العلم واضحة يَعرفها الجميع ولا تَحتاج لتجربة ولا بحث ولا برهان وحُجة ودليل. فهي تسمى بـ(العِلْم البَدَهي).

 

وهذا العِلْم البَدَهي الموجود عندنا جميعاً هو رأس مال العلوم والبحوث والتجارب العلمية، فهو رأس مال الباحث العلمي وكل معرفة علمية لدينا، فهذه المعارف البدهية التي لدينا كلنا لا تحتاج لبراهين بل هي نفسها تُشَكِّل الدليل والبرهان، وكل هذه القضايا البَدَهية هي بالأصل تَعود لقضية بدهية جوهريةواحدة تشَكِّل القضية الأُم لها جميعاً؛ وهي قضية التناقض (النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان في شيء واحد من جهة واحدة بوقت واحد).

وكذا من خلال هذا العِلْم البدهي يتم التفاهم بين الناس والاتفاق على أن هذا الصواب وهذا الخطأ.

وحتى العلم الحضوري -الذي سبق بيانه- الذي لا يَعْتَريه الخطأ هو أيضاً مَدِين (في بعض جوانبه وتبريره) لنفس العلم البدهي هذا ..

 

وبقدر استغلالك لمعطيات هذا العلم البَدَهي تُنتِج المعارف وتَخترِع وتَبتكِر وتُبْدِع وتوَلِّد العلوم للبشرية، فتكون طبيباً فذاً أو فيزيائياً متميزاً أو فلكياً عبقرياً أو فقيهاً مجتهداً حاذقاً ((مع التحصيل)) ..، وبقدر غفلتك عن استغلال هذا العلم تبقى قليل الاختراع والابتكار والإبداع، وتبقى محدود العطاء الإنتاجي الابتكاري العبقري حتى لو حفِظْتَ مئات الكتب العلمية وتلوتَ للناس آلاف الجرائد والقصائد والقوانين التي تحفظها.

وبقدر تطبيقك لهذا العلم البدهي تَخْرج بنتائج منطقية صحيحة وسليمة، وبقدر الخطأ منك في تطبيقه تَخْرج النتائج خاطئة وغير منطقية؛ فتنعكس على منهجك في فكرك وحياتك وسلوكياتك ومنظومة معلوماتك؛ فلو أخطأت مثلاً في مقدمتين من معادلة أو قضية ذات أربع مقدمات؛ فالخطأ في النتيجة يكون بقدر خطأ المقدمتين الخاطئتين، ولو أخطأت بالقياس بين المقدمات الصحيحة؛ فالنتيجة تكون خاطئة بقدر خطئك في القياس بين المقدمات رغم أنها مقدمات صحيحة. فكل الأقيسة هي بدهية منطقية، غاية الأمر أن التطبيق منك لها وقع بصورة واهمة خاطئة غير منطقية.

 وكذا من خلال نفس هذا العلم البدهي الذي هو رأس المال يتم تصحيح النتائج بالعودة إلى المقدمات التي تم القياس بها على النتيجة.

 

فمثلاً:

لو توهمْت خارجياً بأن الموجود هو ذات المعدوم وأنه لا شيئية له؛ فأنت بهذا الخطأ البدهي ستنكر الواقعية وستفتي بأننا مجرد خيالات وسفاسف وأوهام لا واقع لنا في هذا الوجود؛ ومن ثم سيكون منهجك وسلوكك الحياتي مبنياً على هذا الخطأ التناقضي الفادح الخطير الذي وقعتَ فيه، وستَكون ملحداً تنكر الله والأنبياء وجميع القِيَم الإنسانية وستحارِب كل ذلك وستَجعل من نفسك إلهاً وهمياً أسطورياً؛ لأنه أساساً لا يوجَد واقع لشيء حسب خطئك في تفسيرك لحقيقة الوجود، وستدعو للحرية بكافة أشكالها، مع أنك (بَدَهياً) لو مثلاً ضرَبك شخصٌ أمامنا بحَجَر فستتوجع وتلاحقه للنيل منه، ولو لَطم شخصٌ أمَّك كفاً فلن تدعه! كما أنك تخفي مالك عن السرقة، ولو سرقه أحد فستطارده! والمفترض أنك لا تتوجع أصلاً ولا تلاحِق مَن لطم أمك ولا تخفي أموالك  ولا تلاحِق السارق؛ لأنك أساساً تنكر وجود الحقيقة والشيئية والواقعية لنا وللأشياء وتدَّعي الحرية المطْلَقة، بينما لو قلنا لك مثلاً: لماذا توجعت بالحجر ولماذا تطارِد مَن لطم أمك ..؟ فستجيب بلفظ بسيط تكراري توكيدي لنفس مفاد السؤال:

 

 

لأنه أوجعني ولأنه لطم أمي. فنقول لك: هِيْه هَيّا اذهبْ فهو لا وجود له كي يضربك ويوجعك أو يلطم أمك، كما أنه أيضاً حرٌّ حرية مطْلَقة حسب دعاواك التي تدَّعي أنك تَعتقِد بها. فتجيبنا: ألا ترون الوجع؟! ألا ترون الدم؟! ألا ترون الأثر في خدِّ أمي؟! ألا ترون باطني كم يحرقني قلبي؟! ألم تكونوا قد شاهدتموه فَعل ذلك بي وبأمي أمام أعينكم جميعاً؟!

فتَكون بأجوبتك هذه تخاطبنا بقضايا بَدهية لا تَحتمل الشك والتشكيك ولا تحتاج لبرهان واستدلال وكلام؛ لذا كان (الاتجاه الشّكّاكي) التشكيكي هو أَتْعَس الاتجاهات الفكرية البشرية بجميع مراتبه. وكذا لو تَيقَّن السياسي مثلاً بأن الحق القومي الخاص هو مَطْلب محِق وعادل ومنصِف لكل بلدٍ وقوميةٍ وقُطْر، وأن هذا الحق تَتَمتع به حتى الحيوانات والطبيعة فضلاً عن الإنسان، وفي نفس الوقت تيقَّنَ هذا السياسي بأن البلد الفلاني يحب جاره، ولكنه عندما جاء لخوض حوارٍ سياسي أو مفاهَمة سياسية فوجَد ذلك البلد الحبيب يَفرض لنفسه مصالح قومية حَقّانيّة خاصة فتوهَّم هذا -السياسي- بأن هذا البلد أنانيٌ وراح يهاجم هذا البلد في خِطاباته وأجندته؛ فهو هنا يكون قد ارتَكب خطأً خطيراً قد ينتهي بكراهية شعب كامل لشعب ذلك البلد الحبيب، وقد يَجر -هذا السياسي- بلدين للمُهاتَرات والحروب الثقافية والعسكرية ولو كان البلدان مسْلمَين يشتركان في الدِّين؛ كل ذلك بسبب خطئه العظيم هذا.

 

ومِثْـلُه ما لو تيقَّـنَتِ المرأة مثلاً بأنها جَذّابة للرجل فَتّانة، وأن الرجل يغريه طبيعياً بهاءُ المرأة وتكوينها، وأن به شهوات وميول وغرائز، وأنها هي نفسها تريد رجلاً يتزوج بها ببركة هذه الطبيعة التي فيها وفيه، وأنها عندما تريد ترغيبه فيها أو إغراءه بها واجتذابه إليها تَعْرض له تكوينها ومفاتنها المثيرة لغريزته، وأنها لو وجدَت الرجل لا يَميل للمرأة ويَعزف عن الزواج فهي ستنتقده وتحتقره وتَتذمر وتَحكم عليه بالمرض والهلوسة، فلو أنها ثم بعد أن تيقنَتْ هذه الأمور طالبَتْ بالتبرج والسفور على أنه حرية لها ونادت بتحرير المرأة مِن سلطة الرجل في غطائها وحجابها وحيوانيته التي لا يراها مِن خلالها إلا بالغريزة والشهوة، ثم على ذلك ادعت بأنّ المرأة مضطهَدة مسلوبة ودُوْن الرجل ولا توجَد مساواة؛ فهي بهذا تكون قد ارتكبت خطأً منطقياً كبيراً لا يَحتاج لا لدين ولا لعرف للاستدلال على خطئها وجسامة هذا التوجه الغير منطقي الذي وقعَتْ فيه؛ حيث ناقضَتْ بدهياً ما لديها من يقينيات واستَنتجَتْ نتائج خاطئة انعكست عليها في منهجها وسلوكها وخِطابها الركيك الضعيف المتضارب، واعتبَرتْ ما ليس حرية حرية، وما ليست سلطة سلطة! وهكذا تَكون مؤهَّلة تماماً للغزو الفكري والخداع والاستغلال الماجن والمتاجَرة بها.

 

وكذا الحال لو افتَرضْنا أن الحاكم تَوهَّم بنفس وهمها فأَفسد الأرض والبلاد والحرث والنسل بتعريته للمرأة وتسفيره لحجابها وعفافها بهذه العناوين الخاطئة وأمثالها، أو لو تَوهَّم بأنّ فلاناً الذي يَخدِم وطنه يريد هدْم الوطن؛ فهنا سيَمْقِته ويَقوم بتشويه صورته والتضييق عليه أو حجْرِه وحبْسِه وتغريبه أو قتلِه بحُجة حماية الوطنِ منه، مع أنّ المعطيات والمؤشرات البدهية كلها تؤكِّد على أن هذا المواطن صالح وشريف وبَنّاء، ولكن الحاكم اشتبه في قراءة المؤشرات وتطبيق البدهيات التي لديه في عقله؛ فتصرَّف بصورة سلوكية خاطئة غير منطقية وظالمة مع أنه حاكم الوطن والمفترَض أنه يَبحث جاهداً عن صلاح الوطن والحفاظ على عطاء ونشاط هذا المواطن المعطاء وأمثاله وبث الحماسة فيه وتشجيعه لتسخيره لصالح الوطن والأُمَّة والإفادة من مواهبه وإنتاجه. والعكس بالعكس ما لو جَعَلَ الحاكمُ مُواطناً فاسداً في منزلة الشريف وهماً فقرَّبه منه وسلَّطه على رقاب الناس.

 

 

وأما النظري فنعني به هنا: العِلْم المتوقِّف على ما يوضحه، فهو يَحتاج لدليل وحُجة، ويَحتاج لتأمُّل ودراسة وبحث وتنقيب وتجربة وملاحَظة وتحقيق وتدقيق وحضور مجالس العلم وقراءة الكتب؛ وذلك مثل:

 

تَصوُّرنا لمعنى العقل، ومثل عِلْمنا بهل النفس مجرَّدة أم مادية لها جسد، وككون التجمد يحصل عند درجة الصفر، وكون النبي محمد (ص) رسولاً، وكونه كان جميلاً أم لا، وهل كان خلوقاً رؤوفاً رفيقاً أم لا، وككون النبي محمد (ص) عيَّن وصياً له -كما يعيِّن الرؤساء لأنفسهم خلفاء قبل أن يموت الرئيس ويقيمون عشرات المراسم للإشهار بذلك وإعلانه قبل موته وحين موته كما نرى ويستحيل أن لا يفعلون ذلك وإلا فَسد النظام وانتقدهم العالَم وسخِروا منهم- أم لا لم يعيِّن (ص) له وصياً وأنه غير عن باقي العقلاء؟

وككون الـ(دي إن أيه DNA) موجوداً ويحوي جينات وراثية، وككون الشبكية تقلب الصورة، وكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً في الإسلام، وكون التبرج حراماً، وكون العلمانية والليبرالية نظريات باطلة فاشلة تحارِب الدين والمرسلين وتُصارِع الله وتعاليم السماء أم لا، ومثل كون الخمر مفسِداً عظيماً والزنا واللواط مفسِداً أعظم أم لا ...

 

بالتالي؛ فأنت كلما بحثتَ وجرَّبتَ أكثر عَرفت مِن المعارف والحقائق التصورية والحصولية التحصيلية الكامنة في الوجود أكثر فأكثر، وكلما حضرْتَ مجالس العلم وقرأت الكتب العلمية أكثر حَصَّلْتَ معارف أكثر فأكثر؛ لذا ليس الباحث كغير الباحث، ولا الذي درس علم الفيزياء والطب كمَن لم يَدرسهما، ولا الدارس للاقتصاد وقوانين البورصة كغير العارف بهما، ولا المتخصص كغير المتخصص أبداً، كلا وحاشى، ولا الذي يَقرأ كمَن لا يَقرأ، ولا الذي اطَّلع على بحوث أهل العلم وإشكالاتهم وردودهم كمَن لم يَطّلِع على شيء من ذلك وراح يُشْكِل ويغرِّد بعيداً عن الواقع ويفسِد بالجهل ومَلَكة الوهم ويثير الضحك به، ولا الذي يجالِس العلماء ويَحضر الدورات والندوات العلمية والمعرفية كالمتثاقل أو الغافل الذي لا علاقة له بهذه الأمور، ولا المثقَّف البارع واسع الاطلاع والتأمل معتدل الطبع كالمثقَّف المهوّر المتدهور في اطلاعه وهِمّتِه وطبعِه، الركيك الضعيف في تَدبُّرِه وسيرِه ومَسيرتِه، ولا الذي قرأ كتابين ثقافيين أو مئة جريدة وعشرين صحيفة كمَن قرأ أمهات الكتب وآلاف المعارف وتتلمذ على أيدي الأساطين طوال شبابه وعمره وكَدَح وبذَل المجهود العظيم الفائق، وليس السائس الذي لا تجربة له كالسائس الذي تعلَّم الحكمة والفلسفة ومارسها، ولا الذي تَعلَّم فنون الأسرة والزواج كمَن لم يَتعلَّم، ولا الذي اعتنقَ فكراً أو دِيناً فتَفَقَّه نُظُمَه وأحكامه كمَن اعتَنَقَ ولم يَتفقَّه ما به، ولا الذي جرَّبَ أحكام ما اعتَنَق كمَن لم يجرِّبها، ولا الذي سَمع بفلان وعن فلان كمَن رآه وجالَسه وعاينه بالمباشرة ...، وهكذا.

 

تأتي بقية الكلام إن شاء الله تعالى ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1173
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629666
المتواجدون الان: 2