السيد أمين السعيدي
الثلاثاء, 24-03 12:32 صباحاً
عيد الأم واحدة مِن مَهازِل تاريخ المسلمين[3]
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق.
(0) تعليقات

 

● نصوص الأعياد:

 

لقد نصَّت الروايات على أنّ الأعياد أربعة، ونَسَبَت الأعياد للمسلمين، وحصَرَتْها بأيام خاصة؛ هي (أيام الجُمعة وعيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الغدير)، والحَصر يفيد المنع عن غيرها أو لا أقَل يفيد التوقُّف عليها دون غيرها ولو احتياطياً؛ ومن هذه الأخبار عند الشيعة والسُّنة نذكر ما يلي ثم نعلِّق عليها بالتعقيب:

 

 

● ورَدَ في خصال الشيخ الصدوق (ره) قِسْمٌ مستقِل لحديثٍ

 

عن الصادق عليه الصلاة والسلام في كون الأعياد أربعة، وعنونه بهذا العنوان، فذكر فيه:

(حدَّثَنا علي بن أحمد بن موسى رضي الله عنه، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثني الحسين بن عبيد الله[1] الأشعري، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن المُفَضَّل بن عَمْر، قال:

 

"قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: كم للمسلمين مِن عيد؟

 

فقال: أربعة أعياد. قال: قلتُ: قد عرفتُ العيدين والجُمعة. فقال لي: أَعظَمها وأَشرَفها يوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو اليوم الذي أقام فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام ونصبه للناس عَلَماً. قال: قلتُ: ما يجب علينا في ذلك اليوم؟ قال: يجب عليكم صيامه شكراً لله وحمداً له مع أنه أهلٌ أن يُشْكَر كل ساعة، وكذلك أَمَرَتِ الأنبياءُ أوصياءها أن يصوموا اليوم الذي يقام فيه الوصي يتخذونه عيدا، ومَن صامه كان أفضل مِن عملِ ستين سنة")[2].

 

وقد نَقل هذا الحديث جميع المجاميع الحديثية الكبرى لعلمائنا الأبرار، واهتموا به أشد اهتمام، ومنهم صاحب الوسائل رحمه الله نقله عن الخِصال، ثمَّ علَّق في نهايته بقوله:

(أقول : الوجوب هنا محمول على الاستحباب المؤكَّد)[3].

 

 

● وروى الحر رحمه الله في وسائله، قال:

 

(وعن زياد بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلتُ: للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والفطر والأضحى؟

 

قال: نعم، اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام. فقلتُ: وأيُّ يومٍ هو؟ قال: الأيام تَدُور، ولكنه لثامن عشر من ذي الحجة، ينبغي لكم أن تتقربوا إلى الله فيه بالبِر والصوم والصلاة وصلة الرحم وصلة الإخوان، فإنّ الأنبياء كانوا إذا أقاموا أوصيائهم فَعلوا ذلك وأَمروا به)[4].

 

 

● وجاء في بِحار العلّامة رحمه الله:

 

(قال الشيخ حسن: نقلْتُه مِن خطِّ الشيخ الفقيه علي بن مظاهر الواسطي، بإسناد متصل، عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن محمد بن جريح[5] البغدادي، قالا :

تنازعْنا ..، فقَصَدْنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمي صاحب أبي الحسن[6] العسكري عليه السلام بمدينة قم، وقَرعنا الباب، فخَرجتْ إلينا صَبِيّة عراقية من داره، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعِيدِه[7] فإنه يوم عيد. فقلنا: سبحان الله! الأعياد أعياد[8] الشيعة أربعة: الأضحى، والفطر، ويوم الغدير، ويوم الجُمعة، قالت:

 

فإن أحمد بن إسحاق يروي عن سيِّدِه أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام أن هذا اليوم هو يوم عيد، وهو أفضل الأعياد عند أهل البيت عليهم السلام وعند مواليهم. قلنا: فاستأذني لنا بالدخول عليه، وعرِّفِيه بمكاننا. فدخلَتْ عليه وأخبرَتْه بمكاننا، فخَرج علينا وهو متزِر بمئزرٍ له محتبي[9] بكسائه يَمسح وجهه، فأنكرْنا ذلك عليه، ..) الخَبَر[10].

 

 

● وجاء في روضة الفتّال النيسابوري رحمه الله:

 

(ويوم الزِّينة، قال الله في سورة طه في قصة موسى عليه السلام: {قال مَوْعِدُكُم يومُ الزِّينة} يعنى يوم عيدهم لأن الناس يجتمعون فيه من الآفاق، ويوم الدِّين الجزاء. قال النبي صلى الله عليه وآله:

 

يقول الله لملائكته يوم العيد: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون يا ربنا جزاؤه أن يوفَّى أجره. فيقول: اشهدوا ملائكتي أني غفرت لهم.

وقال تعالى في سورة الأعراف: {الذينَ اتَّخَذوا دِينَهُم لَعِباً ولَهْوا} أي عيدهم، ويقال هو أنهم كانوا يقرطون أصنامهم في يوم عيدهم ويُحَلُّونها بأنواع الحِلي فعَيَّرَهم الله بذلك. والأعياد في القرآن أربعة أعياد، كان لعيسى عليه السلام وقومه، وهو قوله في سورة المائدة {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزِلْ علينا مائدةً من السماءِ تَكون لنا عيداً لأوَّلِنا وآخرِنا وآيةً منك} الآية.

 

والثاني أعياد الكفار، قال الله تعالى في سورة الفرقان {والذينَ لا يَشْهَدونَ الزُّور} قيل: الزور أعيادهم.

والثالث عيد الفطر، قال الله: {قد أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} أي تَصَدَّقَ بصدقة الفطر، {وذَكَرَ اسمَ ربِّه -يعنى التكبير- فصلَّى} يعنى صلاة العيد.

والرابع عيد النَّحَر، قال الله تعالى: {إنّا أعطيناكَ الكوثر * فَصَلِّ لربِّكَ وانْحَر} يعنى صلاة العيد، وانحر يعنى القربان) [11].

 

وقد تَناقَل هذا التفسير كثيرٌ من كتب المفسِّرين إن لم يكن كلُّها.

 

 

● قال ابن عربي في كتابه أحكام القرآن:

 

(المسألة الأولى قوله {يَشْهَدونَ الزُّور} فيه ستة أقوال: الأول الشرك، الثاني الكذب، الثالث أعياد أهل الذِّمَّة، الرابع الغناء، الخامس لَعِبٌ كان في الجاهلية يسمى بالزُّور، قاله عكرمة، السادس أنه المَجْلس الذي يُشتَم به النبي)[12].

 

 

● وقال ابن الجوزي في زاده:

 

(قوله تعالى: {والذينَ لا يَشهَدونَ الزُّور} فيه ثمانية أقوال:

أحدها: أنه الصَّنَم. روى الضحاك عن ابن عباس أن الزور صنم كان للمشركين. والثاني: أنه الغناء، قاله محمد ابن الحنفية، ومكحول، وروى ليث عن مجاهِد قال: لا يسمعون الغناء. والثالث: الشرك، قاله الضَّحَّاك، وأبو مالك. والرابع: لعب كان لهم في الجاهلية، قاله عكرمة. والخامس: الكافر، قاله قتادة، وابن جريج. والسادس: شهادة الزور، قاله علي بن أبي طالب. والسابع: أعياد المشركين، قاله الربيع بن أنس. والثامن : أنه الخنا، قاله عمرو بن قيس)[13].

 

 

● وفي تفسير الرازي قال:

 

(المسألة الأولى: الزور يحتمل إقامة الشهادة الباطلة، ويكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل حضور مواضع الكذب كقوله تعالى:

 

{فأَعرِضْ عنهُم حتى يَخوضوا في حديثٍ غَيْرِهِ}[الأنعام: 68]، ويحتمل حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي ويدخل فيه أعياد المشركين ومَجامع الفُّسّاق، لأن مَن خالَط أهل الشر ونَظر إلى أفعالهم وحَضر مَجامعهم فقد شاركهم في تلك المعصية، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به، بل هو سبب لوجوده والزيادة فيه، لأن الذي حملهم على فعله استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد مجالس الزور التي يقولون فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله، وقال محمد بن الحنفية الزور الغناء. واعلمْ أنّ كل هذه الوجوه محتملة ولكن استعماله في الكذب أكثر)[14].

 

 

● وفي تبيان الشيخ الطوسي:

 

(و{الزُّور} تمويه الباطل بما يوهِم أنه حق. وقال مجاهِد: الزور -ههنا- الكذب. وقال الضَّحَّاك: هو الشرك. وقال ابن سيرين: هو أعياد أهل الذمة كالشعانين[15] وغيرها. وقيل: هو الغناء، ذَكَرَه مجاهِد وأهل البيت عليهم السلام)[16].

 

 

● وفي تفسير الشيخ الطبرسي مَجْمَع البيان، قال:

 

({والذينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّور} أي: لا يَحضرون مجالس الباطل، ويدخل فيه مجالس الغناء والفحش والخناء. وقيل: الزور الشرك، عن الضحاك. قال الزَّجَّاج: الزور في اللغة: الكذب، ولا كذب فوق الشرك بالله. وقيل: الزور أعياد أهل الذمة، كالشعانين وغيرها، عن محمد بن سيرين. وقيل: هو الغناء، عن مجاهِد، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام. وقيل: يعني شهادة الزور، [و] عن علي بن أبي طلحة. فيكون المراد أنهم لا يَشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف. ... وأصل الزور: تمويه الباطل بما يوهم أنه حق)[17].

 

 

● وقال أحمد في مسنده:

 

(حدَّثَنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أبو بكر الحنفي قال حدثنا ابن جعفر عن عمرو بن شعيب عن ابنة كردمة عن أبيها أنه سَأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

إني نَذرتُ أن أَنْحَر ثلاثة مِن إبلي. فقال: إن كان على جُمَعٍ مِن جُمَعِ الجاهلية أو على عيدٍ من أعياد الجاهلية أو على وثنٍ فلا، وإن كان على غير ذلك فاقضِ نذركَ. قال: يا رسول الله إنْ على أُمِّ هذه الجارية مشياً أفأمشي عنها؟ قال: نعم)[18].

 

 

● وقال الأشعث السجستاني في سُنَنِه:

 

(حدَّثَنا داود بن رشيد، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى ابن أبي كثير، قال: حدَّثَني أبو قلابة، قال: حدثَّني ثابت بن الضَّحَّاك، قال: نَذَرَ رجلٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَنْحَر إبلاً ببوانة[19]، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

 

إني نَذرتُ أن أَنحَر إبلاً ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وَثن من أوثان الجاهلية يُعْبَد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يَملك ابن آدم) [20].

 

 

● ثم نَقَل بعده خبراً فقال:

 

(حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقفي، من أهل الطائف، قال: حدثتني سارة بنت مقسم الثقفي، أنها سمعت ميمونة بنت كردم، قالت: خَرجتُ مع أبي في حَجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعتُ الناس يقولون:

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلتُ أبده بصرى، فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة كدرة الكتاب، فسمعت الأعراب والناس يقولون: الطبطبية الطبطبية[21]، فدنا إليه أبي، فأخذ بقدمه، قالت: فأقرَّ له ووَقف فاستمع منه، فقال:

 

يا رسول الله، إني نَذرتُ إنْ ولد لي ولد ذَكر أن أَنحَر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم، قال: لا أعلم إلا أنها قالت خمسين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بها من الأوثان شيء؟ قال: لا، قال: فأوفِ بما نذرتَ به لله.

... حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن ميمونة بنت كردم بن سفيان، عن أبيها، نحوه، مختصر منه شيء، قال –النبي-: هل بها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية؟ ...) [22].

 

 

● وروى ابن عبد البر في الاستيعاب، قال:

 

(أبو ثعلبة الثقفي حديثه عند إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن جعفر بن عمرو بن أمية عن إبراهيم بن عمر قال: سمعت كردم بن قيس يقول:

خرجتُ مع ابن عمٍّ لي يقال له أبو ثعلبة في يوم حارِّ وعلَيَّ حذاء ولا حذاء عليه فقال: أعطني نعليك، فقلت: لا إلا أن تزوجني ابنتك، فقال: أعطني فقد زوجتكها، فلما انصرفنا بَعث إليَّ بالنعلين وقال: لا زوجة لك عندنا، فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:

 

دعها فلا خير لك فيها. قلت: يا رسول الله إني نذرتُ لأَنحرنَّ ذودا من ذودي بمكان كذا وكذا، فقال: على عيدٍ من أعياد الجاهلية أو على قطيعة رحم أو ما لا تَملك؟ قلت: لا، فقال: أوفِ بنذرك، ثم قال: لا نذر في قطيعة رحم ولا فيما لا يَملك ابن آدم)[23].

 

 

● وأَورَدَ العسقلاني في فَتْحِه، قال:

 

(وفي النسائي وابن حبّان بإسنادٍ صحيح عن أنس: قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يَلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما يوم الفطر والأضحى)[24].

 

 

● وفي عمدة العيني في باب سُنَّة العيدين لأهل الإسلام:

 

(حدَّثَنا حَجَّاج قال حدثنا شعبة قال أخبرني زبيد قال سمعت الشعبي عن البراء قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال:

 

إنّ أول ما نَبدأ من يومنا هذا أن نصلي ثم نَرجع فنَنحر، فمن فَعل فقد أصاب سنتنا. مطابقته للترجمة المروية عن الحموي في قوله: (يَخطب)، فإن الخطبة مشتملة على الدعاء كما أنها تشتمل على غيره من بيان أحكام العيد، وأما الترجمة المروية عن الأكثرين فظاهرة، لأن فيه بيان سنة العيد لأهل الإسلام، وإنما ذكر قوله: (لأهل الإسلام)، إيضاحاً أنّ سُنّة أهل الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام، لأن غير أهل الإسلام أيضاً لهم أعياد كما ذكر في الحديث: "إنّ لكلِّ قومٍ عيداً وهذا عيدنا")[25].

 

 

● وقال الآباديُّ في عون المعبود:

 

(وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أَبطلها وعوَّض الحُنفاء منها عيد الفطر وعيد النَّحر، كما عوَّضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر)[26].

 

 

● وقال المناوي في الفيض القدير:

 

(’’عاشوراء‘‘ بالمَد اسم إسلامي لا يُعْرَف قَبله، قيل: ليس في كلامهم فاعولاء بالمد غيره[27]، وأَلحَقَ به التوربشتي تاسوعاء، وسُمي عاشوراء لأنه تعالى أَكرم فيه عشرة من الأنبياء بعشر كرامات، وقيل: لأنه عاشر كرامة أكرم الله بها هذه الأمة "عيد نبيٍّ كان قبْلكم فصوموه أنتم" ندباً، روي أنه يوم الزِّينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون وأنه كان عيداً لهم، قال ابن رجب: وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيداً وعلى ندب صوم أعياد الكفار. (البزار) في مسنده (عن أبي هريرة) رَمَزَ المصنِّف لحُسْنِه، لكن قال الهيثمي: فيه إبراهيم الهجري ضَعَّفَه الأئمة إلا ابن عدي)[28].

 

ونحن وردنا عندنا صومه إلى العصر والإفطار قبل المغرب.

 

 

● وفي فقه القرآن قال القطب الراوندي:

 

(وقوله تعالى: {وأَذانٌ مِن اللهِ رسولِه إلى الناس يومَ الحَجِّ الأَكبَر} قال جماعة هو الحج الذي فيه الوقوف بعرفة المَشْعَر والنُّسُك بمنى، والحج الأصغر العمرة.

 

وعن الصادق عليه السلام: ان يوم الحج الأكبر أنه يوم النحر. قال: وسُمِّي الحج الأكبر لأنه حَجَّ فيه المشركون والمسلمون ولم يَحج بعدها مشرِك[29]. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام أيضاً. وقال الحسن: هو ثلاثة أيام اجتمعت فيها أعياد المسلمين وأعياد اليهود والنصارى)[30].

 

 

● وقال الشيخ الطوسي في كتابه التِّبيان:

 

(قوله تعالى: {وأَذانٌ مِن اللهِ ورسولِهِ إلى الناسِ يومَ الحَجِّ الأكبرِ أنَّ اللهَ بَرئٌ مِنَ المشرِكين ورسولُه فإن تُبْتُم فهوَ خيرٌ لكُم وإن تَوَلَّيتُم فاعلَموا أنكم غيرُ مُعْجِزي اللهِ وبَشِّرِ الذينَ كَفروا بعذابٍ أليم} آية في الكوفي والمدني، وآيتان في البصري.

الأذان الإعلام في قول ابن زيد والزَّجَّاج والجبائي، تقول: أذنني فلان كذا فأذنت، أي أعلمني فعلمت. وقال بعضهم: معناه النداء الذي يُسمع بالاذن. وقال الفَرَّاء والزَّجَّاج: إنما ارتَفع لأنه عطف على قوله {براءة} وقيل معناه عليكم أذان، لأن فيه معنى الأمر.

 

والحج المَقْصَد إلى اعمال المناسك على ما أَمر الله به وقد بَيَّنَّا شرائط الحج وأركانه وفرائضه في كتب الفقه ..

والحج الأكبر قال عطا، ومجاهِد، وعامر وبشر بن عبادة: هو ما فيه الوقوف بعَرَفَة، والأصغر العمرة، وقال مجاهِد: الحج الأكبر هو القِران، والحج الأصغر هو الإفراد.

 

وقيل في معنى {يوم الحج الأكبر} ثلاثة أقوال:

أحدها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: عَرَفَة، وهو المروي عن عمر وابن عباس بخلاف فيه، وبه قال عطا ومجاهِد وابن الزبير وأبو حنيفة. الثاني: في رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وابن عباس وسعيد بن جبير، وعبد الله بن أبي أوفى، وإبراهيم ومجاهِد أنه يوم النحر، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وسمي بالحج الأكبر لأنه حَجَّ فيه المشركون والمسلمون ولم يَحج بعدها مشرِك. الثالث: قال مجاهِد وشُعْبة: هو جميع أيام الحج.

 

أَعلَمَ الله تعالى في هذه الآية المشركين أنه ورسوله برئ من المشركين وأنه إن تُبتم ورجعتم إلى الإيمان وطاعة الرسول {فهو خيرٌ لكم} وإن أَعرَضتم وتَوليتم فاعلموا أنكم لا تَفوتون الله وأن الله يُبشِّر الكافرين بعذاب أليم أي شديد مؤلم.

قال الحسن: الحج الأكبر ثلاثة أيام الحج، اجتمعت في تلك الأيام الثلاثة أعياد المسلمين وأعياد اليهود وأعياد النصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن فيما خلا ولا يكون إلى يوم القيامة)[31].

 

 

● وذَكَر الشيخ محمد مهدي الحائري في شجرة طوبى

مِثْلَ الذي ذَكَرَه صاحب الروضة فيما نقلناه عنه أعلاه، ثمَّ تابَعَ بالقول:

 

({فَصَلِّ لربِّكَ وانحَرْ} يعني صلاة العيد وأنحر يعني القربان. وينبغي للمؤمن أن يَحضر العيد معتبراً لا ناظراً حتى لا يَكون حاله كحال الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً، فقد قيل إن الحكمة في العيدين تذكير للقيامة وأهوالها، وذلك إنّ أحوالها موافِقة لأحوالها، فإذا كانت ليلة العيد فاذكر الليلة التي تَكون صبيحتها يوم القيامة، فإذا سَمعت صوت الطبل والكؤوس والبوق فأذكر نفخ الصور، قال الله عز وجل في سورة الكهف:

 

{ونُفِخَ في الصُّوْرِ فجَمَعْناهُم جمعاً}، فإذا خرجتَ من بيتك يوم العيد إلى المصلى فاذكر يوم خروجك من الدنيا ويوم خروجك من القبر إلى المحشر، قال الله تعالى في سورة ق:

{فاستَمِعْ يومَ ينادِ المنادِ مِن مكانٍ قريب}، وإذا رأيتَ الناس متوجهين إلى المصلى مختلفين في أحوالهم فبعضهم يَلبسون الثياب الفاخرة وبعضهم يَلبسون الخلقان وبعضهم الجدد فأذكر اختلافهم في الآخرة بعضهم يلبسون الحلل وبعضهم يلبسون القَطِران، وإذا رأيت اختلافهم في المشي قوم مشاة وقوم ركبان فاذكر مشيك على الصراط، قال النبي (ص) :

 

يَرِد الناس الصراط ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولها كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم الكواكب في رحاه ثم كشد الرجل ثم كمشيه.

واذكر أيضا {يومَ نَحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وَفْدا ونَسُوقُ المجرمينَ إلى جهنمَ وِرْدا} أي عطشانا، وقال رسول الله (ص) :

يُحشر الناس على ثلاثة، ثلاث على الدواب وثلاث ينسلون على أقدامهم نسلاً وثلاث على وجوههم.

 

وإذا جلستَ في الظِّل وبعضهم جلوس وبعضهم قيام فاذكر وقوفك في عَرَصات القيامة منتظراً للحساب وفَصْل القضاء، قال الله تعالى في سورة إبراهيم:

{إنما نؤخِّرُهم ليومٍ تَشْخَصُ فيهِ الأبصارُ مُهْطِعِينَ مُقنِعِي رؤسهم لا يَرتدُّ إليهم طرفُهم وأفئدتهم هواء} قومٌ في الشمس قد ألجمهم العَرَق وقوم في ظل العرش، وإذ رأيتَ الألوية والرايات فاذكر ألوية القيامة لكل قوم لواء، وإذا قمتَ إلى الصلاة واصطفَّ الناس فاذكر يوم العَرْض، قال الله تعالى:

 

{وعُرِضوا على ربِّك صَفّا}، وإذا صَعد الإمام على المنبر وخَطب الناس سكوت ينصتون فأذكر يوم يَتقدم محمد (ص) للشفاعة والخلق حيارى سكوت، وإذ أَخذ في الخطبة بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فاذكر يوم ينادي المنادي سعد فلان وشقي فلان، وإذ رأيتَ الناس منصرفين طُرُقُهم مختلفة فاذكر قوله تعالى في سورة الروم:

{ويومَ تَقُومُ الساعةُ يومئذٍ يَتفرّقون} الآية، فريق في الجنة وفريق في السعير، وقوله تعالى {يومئذٍ يَصْدُرُ الناسُ أَشْتاتاً لِيُرَوا أعمالَهم} الآية.

 

وإذا رأيتَ السؤال في الطريق قد سدوا أيديهم ووجوههم إلى العباد وأَثَر الضر والمسكنة ظاهر عليهم فاذكروا قوله تعالى في سورة الروم:

{ويومَ تقومُ الساعةُ يُبْلِسُ المجْرِمون}.

فهذا مقابَلة أحوال العيد بأحوال القيامة، وفيها عِبرة لمن اعتبَر وعظة لمن تَذَكَّر ).

 

 

● ثمَّ نَقَل عن أمالي الشيخ الصدوق رحمه الله قول الصادق عليه الصلاة والسلام:

 

("خَطب أمير المؤمنين عليه السلام بالناس يوم الفطر فقال:

إنّ يومكم هذا يوم يثاب فيه المُحْسنون ويَخسر فيه المُسيئون، وهو أشبه يومٍ بيوم قيامتكم، فاذْكُروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلاكم خروجكم مِن الأَجْداث إلى ربِّكم، واذكروا وقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربِّكم، واذكروا رجوعكم إلى منازلكم مصيركم في الجنة أو النار، واعلَموا عِباد الله أنّ أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم مَلَكٌ في آخر يومٍ من شهر رمضان أَبشِروا عباد الله فقد غفر لكم ما سلف من ذنوبكم، فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون، وإذا طَلع هلال شوال نودي المؤمنون هَلمّوا إلى جوائزكم.

 

قال أمير المؤمنين في بعض الأعياد، إنما هو عيد لمن قَبل الله صيامه وشَكر قيامه، وكلُّ يومٍ لا يُعصى الله فيه فهو يوم عيد ..)[32].

وذَكَر ذلك غَيْرُه.

 

 

● وفي أدعية إقبال السيد ابن طاووس ورَدَ في الدعاء:

 

"اللهم مَن تَهَيَّأَ في هذا اليوم، أو تَعَبَّأَ أو أَعَدَّ واستَعَدَّ لوفادةٍ إلى مخلوقٍ رجاء رِفْدِهِ ونَوافِلِهِ وفَواضِلِهِ وعطاياه، فإنّ إليك يا سيدي تَهَيْأتي وتَعْبِئتي، وإعدادي واستعدادي، رجاء رِفْدِكَ وجوائزِك، ونَوافِلِكَ وفَواضِلِكَ وعطاياك. وقد غدوتُ إلى عِيدٍ من أعياد أُمّةِ نبيِّكَ محمدٍ صلوات الله عليه وعلى آله، ولم أَفِد إليك اليوم بعملٍ صالحٍ أَثِقُ به قدَّمتُه، ولا تَوجهْتُ بمخلوقٍ أَمَّلته، ولكن أتيتُكَ خاضعاً مُقِرّاً بذنوبي وإساءتي إلى نفسي، فيا عظيمُ يا عظيمُ يا عظيم، اغفر لي العظيمَ مِن ذنوبي، فإنه لا يَغفرُ الذنوبَ العظامَ إلا أنت، يا لا إله إلا أنت يا أرحمَ الراحمين"[33].

 

رواه الشيخ الطوسي رحمه الله في مصباح المتهجِّد[34].

 

 

● وفي كنْزِ المتقي الهندي نَقَل عن ابن زنجويه عن أنس:

 

"مَن شهد عيداً من أعياد المسلمين في ثغر من ثغور المسلمين كَتب الله له من الحسنات عدد كل مشرك ومشركة وراء ظَهره"[35].

 

 

● ثم قال في المرْسَل:

"مَن شهد عيداً من أعياد المسلمين في ثغر من ثغور المسلمين كان له مِن الحسنات عدد ريش كل طيرٍ في حريم الإسلام"[36].

وهذا مما لا ريب في تَرتُّب الأثر عليه بالقواعد الأصولية.

 

وغير ذلك الكثير من الأخبار.

وإن شاء الله تعالى يأتيك التعقيب عليها جميعها في الوقفة الآتية؛ فتَرَقَّبْ جعلَكَ الله من الـمُخْلصين الصادقين العاملين المتقين المبشَّرين {الَّذينَ يَستمِعونَ القَوْلَ فيَتَّبِعونَ أَحْسَنَه}.

 

أمين السعيدي-قم المقدَّسة

27جمادى الأول1436هـ

 

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.

 
 

[1] وقد أَثبتَه صاحب الوسائل رحمه الله: عبد الله خلافاً للـمَصدَر (الخِصال) عبيد الله.

[2] الخِصال، للشيخ الصدوق (ره) : ص264 ح145.

[3] وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي: ج10 ص443 ح13800 من الباب ح7.

[4] وسائل الشيعة، للحر العاملي: ج10 ص443 و444 ح13802 من الباب ح9.

[5] قال المحقِّق في الهامش: في البحار، كتاب الدعاء: حويج.

[6] لا توجَد أبي الحسن في المصدر، وقد جاء في المصباح. المحقِّق.

[7] في المصدر: بعياله. المحقِّق.

[8] في المحتضر: عند، بدلاً من: أعياد. المحقِّق.

[9] في بعض النُّسَخ: مجتبى. وفي المصدر: محتضن. وجملة جاءت في مطبوع البحار نسخة بدل وهي: يفوح مسكاً، بعد: محتبى. المحقِّق.

[10] بحار الأنوار، للعلامة المجلسي رحمه الله: ج31 ص120 و121.

[11] روضة الواعظين، للفتال النيسابوري: ص352 و353.

[12] أحكام القرآن، لابن العربي: ج3 ص453.

[13] زاد المسير، لابن الجوزي: ج6 ص27.

[14] تفسير الرازي، للرازي: ج24 ص113.

[15] يعني بعيد الشعانين: عيد معروف للنصارى قبل عيدهم الكبير بأسبوع، كما قاله ابن الأثير في كتابه النِّهاية. وهو عيد مسيحيّ، يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح، يُحتفل فيه بذكرى دخول السيِّد المسيح عليه السَّلام بيتَ المقدس كما في قاموس المعاني.

[16] التبيان، للشيخ الطوسي رحمه الله: ج7 ص511.

[17] مَجْمَع البيان، للشيخ الطبرسي: ج7 ص315.

[18] مسند أحمد، للإمام أحمد بن حنبل: ج4 ص64.

[19] بوانة: اسم مَوضِع.

[20] سُنَن أبي داود، لابن الأشعث السجستاني: ج2 ص104، ح3313.

[21] الطبطبية: محاكاة وقْع الأقدام.

[22] سُنَن أبي داود، لابن الأشعث السجستاني: ج2 ص104 ح3314 و 3315.

[23] الاستيعاب، لابن عبد البر: ج4 ص1617 و1618 ح2885.

[24] فَتْحُ الباري، لابن حَجَر: ج2 ص368.

[25] عمدة القاري، للعيني: ج6 ص272 ح951.

[26] عون المعبود، للآبادي: ج6 ص23.

[27] يعني ليس في كلام العرب اسم على وزن فاعولاء غير عاشوراء.

[28] فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي: ج4 ص394 و395 ح3565.

[29] تفسير البرهان: ج2 ص102 وهو مأخوذ من حديثين وردا في ذلك. نقلاً عن هامش الـمَصدَر.

[30] فقه القرآن، للقطب الراوندي: ج1 ص322 و323.

[31] التبيان، للشيخ الطوسي رحمه الله: ج5 ص170 و171.

[32] شجرة طوبى، للشيخ محمد مهدي الحائري، ج1 ص19 و21.

[33] إقبال الأعمال، للسيد ابن طاووس رحمه الله: ج1 ص477، ونقله عنه صاحب البحار: ج89 ص329.

[34] مصباح المتهجِّ، للشيخ رحمه الله: ج2 ص658.

[35] كنْز العُمّال، للمتقي الهندي: ج4 ص324 ح10722.

[36] كنْز العُمّال، للمتقي الهندي: ج4 ص325 ح10725.

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1171
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629664
المتواجدون الان: 2