السيد أمين السعيدي
الأربعاء, 25-03 11:34 صباحاً
عيد الأم واحدة مِن مَهازِل تاريخ المسلمين[4]
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق.
(0) تعليقات

استيفاءاتٌ وتعقب:

 

مما تقدَّم من آيات وروايات الأعياد التي استعرضناها في الوقفة السابقة نسجِّل –في الجملة- مجموعة ملاحظات علمية كما يلي:

 

● الأولى:

 

نَلحظ أنّ الأئمة عليهم الصلاة والسلام عَدُّوا الأعياد بأربعة أعياد فقط، فقَرَنوها بهذا العدد، وتكرَّر منهم ذلك في أكثر من مورد، وقد اهتم المحدِّثون بنقل هذه الأحاديث في جميع معاجمهم الحديثية حسب التتبع، ومنها استنبط العلماء مجموعة من الأحكام كالصيام وغيره، بل وهو عيْن ما دَفع ببعض أكابر علمائنا –كالشيخ الصدوق رحمه الله- لعنونة بعض بحوثهم بهذا العنوان العددي العريض. ومعلومٌ لدى أهل العلم والتخصص أنّ العدد له قيمة علمية تؤخَذ ضرورياً بعين الاعتبار في الاستنباط، ونفْسه التَّعَنّي البياني؛ بالتالي فإنّ هذا فيه إشارة حُكمية –ولو تنزُّلاً إجمالية- إلى أنّ أعياد المسلمين أربعة لا غير، وأنّ ما عداها فليس من شأن المسليمين وأعرافهم.

 

وإن شئتَ فلا أَقَل مِن الاحتياط.

 

هذا عندنا، وأما عند إخواننا السنة فالأعياد عندهم ثلاثة لا رابع لها؛ باعتبار أنهم لا يتَّبعون نهج أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ولا يعتقِدون بعيد الغدير الذي هو أكبر أعياد الإسلام ومن أهم شعائر مذهب آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم؛ فيكون التفاوت بالعدد ليس تفاوتاً بالمروي والدين، وإنما هو مِن عوارِض العقيدة والاعتقاد الذي يَضطر أهله لِنسفِ بعض ما هو ثابتٌ كالشمس في كبد السماء؛ وعليه فالعلة في التفاوت العددي معلومة ولا تَقْدَح بالثبوت والإثبات.

 

وكذا ترى مَن نسَفَ كلام الدين فقط لإقامة ما يشتهيه مهما كان كلام الدين واضحاً في الأمر ومهما سَردتَ له ألف دليل وحُجة، إلا مَن هداه الله فتواضع للحق وانصاع وأَقلعَ فاحتاط لدينه.

 

● الثانية:

 

ونلحظ أنّ سيرة المتشرعة ومَن عاصروا المعصومين عليهم الصلاة والسلام كانت قائمة على استنكار أي استحداث لعيد جديد حتى لو صدَر من عالِم فضلاً غيره، تماماً كما حصل مع أحمد بن إسحاق القمي الذي هو من أكابر العلماء ومن أصحاب أبي الحسن العسكري عليه الصلاة والسلام، وهذا كان عادتهم ودَيْدَنَهم في مثل هذا الأمر، لدرجة أنهم أَنكَروا عليه؛ وهو بالتالي يشير إلى أنّ أي عيد غير الأعياد الأربعة بعنوانها كعيد هو ممنوع لا تحتمله الشريعة الغَرّاء ولا تَقبَل به.

 

ونفس الأمر في جواب أحمد بن إسحاق القمي، حيث لم يرد على إنكارهم بالاعتراض، بل أيَّدَ اعتراضهم، وردَّ عليهم بأنه ليس من عنده وإنما أخذَه من الإمام العسكري صلوات الله وسلامه عليه؛ بالتالي فإنّ عدم اعتراضه على إنكارهم هو دليل تأييدي على أنّ إنكارهم في محله، وإلا لكان عليه أن يقول لهم مثلاً: ما الضير في أن نَجعل عيداً من عند أنفسِنا؟!

 

وأيضاً، فإنَّ أيَّ فرحٍ لهم عليهم الصلاة والسلام فهو ليس بمعنى العيد الإسلامي، وإنما بمعنى الفرح والسرور؛ فمثلاً كان دخول رأس عبيد الله بن زياد على مجلس الإمام علي بن الحسين السجاد صلوات الله وسلامه عليه ودخوله على الفاطميات العلويات من بنات الرسالة وفلذات رسول الله صلى الله عليه وآله في زمن المختار، كان ذلك الحدَث سبباً عظيماً في دخول السرور والفرح عليهم، بالدرجة التي لم تَمتشِط هاشمية من بنات الرسالة بعد مقتل الحسين صلوات الله وسلامه عليه إلى ذلك اليوم، وما حَصل منهم الفرح والسرور إلا به، ولكنه لا يُعتبَر عيداً للمسلمين، ولا للشيعة، رغم عظمة ذلك اليوم وابتهاجه، وإنما هو يوم فرحٍ وسرور، وأيام الفرح والسرور مفتوحة؛ فمثلاً كل ظالم يموت فيوم موته يوم فرح وسرور، وأين هذا مِن جَعل العيد للمسلمين!

 

وإلا لو كان كل يومِ فرحٍ وسرورٍ لهم عليهم الصلاة والسلام يُعَدُّ عيداً؛ لكانت الأعياد بالعشرات لا أربعة. وهذا ما لا يمكن لأحد أن يدَّعيه، ولم يتفوَّه به عالم، ولو جازَف أحدٌ وادعاه فدعواه لا تَصمد أمام الدليل ولا تُقبَل منه بأدنى ما يَكون؛ إذ لا مرجِع إلا لحُجة الدليل والبرهان.

 

هذا؛ ورواية ابن إسحاق رحمه الله عن الإمام العسكري عليه الصلاة والسلام أنّ هنالك عيداً خامساً؛ فهي إن صحَّت؛ فنقاشها من وجهين:

 

الأول: أنّه لربما هو فهمَ السرور من الإمام عليه الصلاة والسلام بعنوانه عيداً؛ وهذا فهم اجتهادي؛ والفهم الاجتهادي ليس بحُجّة، سيّما وأننا لسنا نقلِّده، أو لا أقَـل مِن الاحتمال؛ والقاعدة العلمية قائمة على أنه إذا وَرَدَ الاحتمال بطلَ الاستدلال.

 

الثاني: أنه هو رحمه الله لم يَفهم ذلك عيداً باجتهادٍ خاص، وإنما الإمام صلوات الله وسلامه عليه أعلَمَه صراحةً بأنه عيد؛ وبالتالي يكونُ عيداً بالجعل الشرعي لا بالجعل التشبهي والبدعة والاختراع؛ فلا ضير في الأمر، وأين هذا من ذاك! فإنه لا يُنكِر أحدٌ أنه لو شرَّع الدين عيداً فلا يكون عيداً؛ إذ إنما التشريع حقُّ الشرع نفسه، والإمام المعصوم بيده التشريع من الله تبارك وتعالى؛ بالتالي فالمسألة متوقِّفة على الجعل الشرعي، ومتى ما وقع الجعل الشرعي لَزَمَ الأخذ به وامتثاله والعمل على طِبْقِه.

 

وهكذا القياس التشريعي في غيرِه من مواليد النبي والأئمة الأطهار عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام؛ إذ هي مشرَّعة من جهتهم صلوات الله وسلامه عليهم، ولهذا نحن نَعمل بها امتثالاً وطاعة.

 

● الثالثة:

 

نلاحِظ أن من الأقوال في تفسير النهي عن الزُّور الوارد في الآية المبارَكة هو:

 

1- اللهو والطرب واللعب. وهذا مِصداقه واضحٌ في هذه الأعياد المصنوعة؛ إذ هي مليئة باللهو والطرب واللعب، ولا يمْـكن إنكار هذا الأمر فيها، حتى لو فرضنا أنّ مجموعة من الناس لا تمارِس الطرب فيها، إلا أنّ الطابع العام لهذه الاعياد هو تَحقُّق ذلك فيها، ومادام هذا طابعها العام فلا وجه للتبعيض فيها، وإلا لو كان للتبعيض فيها وجه لكان أيضاً يحق لجماعة من الناس أن تَحضر البارات والمراقص بدعوى أنها لا تثير عندهم الطرب ولا يُحْسَبونَ على أهلها. وهذا كما ترى باطل لا يَقبَل به عاقل.

 

أضف إليه أنّ الدِّين نهى عن ذلك حتى في الأعياد الإسلامية؛ فالعيد الإسلامي ليس يومَ لهو وطرب ولعب؛ وقد صرَّحت الآية المباركة بذلك وانتبَذَت الذين يَجعلون من مناسبات الدين ذريعة للعب واللهو والطرب حتى لو كان بعنوان مناسبةٍ وعيدٍ إسلامي، حيث قالت:

 

لَّذِينَ اتَّخَذوا دِينَهُمْ لَهْواً ولَعِباً وغَرَّتْهُمُ الحياةُ الدُّنيا فاليومَ نَنساهُمْ كمَا نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وما كانُوا بآياتِنا يَجْحَدُون(51)}[الأعراف]؛ وهذا يعني أنه حتى مناسبات الأعياد الإسلامية ليست للهو واللعب فضلاً عن الطرب، وأنّ مَن يجعلها كذلك فهو مذمومٌ مأثوم مرتكِب للحرام؛ فالأعياد الإسلامية أيام فرح وسرور وعبادة كما سيأتيك بيانه، وقد ورد في الخبر الشريف:

 

"المؤْمِن مشغولٌ عن اللَّعِب"؛ أي كل ما يَصدُق عليه اللهو دون الرياضة وتقوية الجسد بالصحة وملاعَبة الأطفال وما شاكل مما هو مباحٌ وراجح ومستحَب ..، بل وإنّ المستفاد من هذه الرواية صفة رفيعة للمسلم الذي يَشغل وقته بالأمور المهمة ولا يضيع أوقات عمره الثمينة في هذا العالَم الامتحاني الطريق لعالَم الـمَقَر والراحة، فهو يَزهد في كل شيءٍ يشغله عن زاده وراحلته البرزخية والأخروية.

 

وفي هذا إشارة أيضاً إلى الاحتفالات التي تقام في مناسبات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ويَقع فيها اللهو والطرب والاختلاط بوجهٍ ممنوع باسم أهل البيت سلام الله عليهم والعياذ بالله.

 

 2- الإحياء لأعياد الكفار والمشركين ومَجامع الفّسّاق والاشتراك فيها، (لأن مَن خالَط أهل الشر ونَظر إلى أفعالهم وحَضر مَجامعهم فقد شاركهم في تلك المعصية، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به، بل هو سبب لوجوده والزيادة فيه، لأن الذي حملهم على فعله استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه)؛ وهذا كما ترى صريحٌ في المنع من هذه الأعياد المصنوعة الباطلة.

 

3- قول ابن عباس رضوان الله عنهما: (مَجالس الزور التي يقولون فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله). وقد بات من الواضح لديك أنّ ادعاء حِلَّيّة ذلك في الإسلام أو استحبابه أو وجوبه هو مصداق من مصدايق الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله إن كان عن علم وقصد، وإلا كان من الكذب الغير قصدي والاستغفار عنه أَفْضَل، بل ربما دَخل هذا الكذب الغير قصدي في عناوين أخرى تجعله ذَنباً من الكبائر؛ وذلك كأن يقع بسبب عدم التعلُّم والتهاون في معرفة الدين والانشغال بتوافه الحياة على حساب الغاية الأصل مِن وجودنا في هذا العالَم.

 

4- قول الإمام علي عليه الصلاة والسلام والإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه ومحمد بن الحنفية رضوان الله عنه ..: الزور الغناء. وقد اتضح لك أنّ هذه الأعياد لا تَسْلَم من اللهو واللعب والطرب والمجون والغناء والرقص وتوابعها ..، وإنّ المطربات والمغنين جَعلوا إصدار ألبوماتهم في هذه المناسبة مِن أفضل المناسبات الجيدة لإشاعة المجون واللهو والرقص والسفور والاختلاط المحرَّم وتوابِع ذلك ..، وكذا الاحتفال به داخل البيوت فهو لا يَخلو مِن هذا.

 

5- قول الشيخ الطوسي رحمه الله: الزُّور تمويه الباطل بما يوهِم أنه حق. وأنت إذا ارتَكبتَ هذا الباطل الموهوم بأنه جائز وحق؛ فهو فعلٌ للزور وترويجٌ له وإيهام للآخرين بعدم بطلانه وحُرْمتِه، وهذا يقع منك تارة عن جهل وغفلة، وأخرى عن معرفة وعناد وكبرياء وإصرار، وكلاهما من الموبقات وكبائر الذنوب؛ أما الأول؛ فلأنك اعتنقتَ الدين ولم تتعلم مسائله فيشملك قوله تعالى: {ومِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ على حَرْفٍ}! وأما الثاني؛ فواضح، وقد قال سبحانه وتعالى في حق المتكبِّرين عن أمرِه:

 

{قال فاهْبِطْ منها فما يَكونُ لكَ أن تَتَكَبّرَ فيها فاخْرُج إنّكَ مِنَ الصَّاغِرِين(13)}[الأعراف]

وقال: {واستَكْبَرَ هُو وجُنودُهُ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ ..(39)[القصص].

وقال: {سأَصْرِفُ عن آياتيَ الّذين يَتَكبّرونَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ وإنْ يَرَوا كُلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها وإنْ يَرَوا سَبيلَ الرُّشْدِ لا يَـتَّخِذوه سَبيلاً وإنْ يَرَوا سَبيلَ الغَيِّ يَـتَّخِذوه سَبيلا ذلكَ بأنهُم كَذَّبوا بآياتِنا وكانوا عنها غافلين(146)[الأعراف].

 

وقال تَقدَّسَتْ أسماؤه: {وقالَ ربُّكُم ادعوني أَستجِبْ لكُم إنّ الّذين يَستكبِرونَ عن عِبادتِي سَيَدْخُلُونَ جَهنّمَ داخِرين(60)[غافر].

وقال سبحانه: {وقالَ موسى إنّي عُذتُ بربّي وربِِّكُم مِنْ كُلِّ مُتكبِّر ..(27)}[غافر].

وقال: {وإنّي كُلَّما دعوتُهُم لتَغْفِرَ لَهُم جَعَلوا أَصابِعَهُم في آذانِهِم واسْتَغْشَوا ثِيابَهُم وأَصَرُّوا واستَكبَروا استكبارا(7)}[نوح].

 

وقال: {تِلكَ الدارُ الآخرة نَجْعلُها للّذينَ لا يُريدونَ عُلُوّاً في الأرضِ ولا فساداً والعاقبةُ للمتَّقِين(83)}[القصص].

وقال: {فلا تُزَكّوا أنفُسَكُم هوَ أعلَمُ بمَنِ اتّقَى(32)}[النجم].

وقد ورثْنا عنه صلى الله عليه وآله قوله: "لا يَدخل الجَنّة مَن كان في قلبِه مِثقالَ ذَرّةٍ مِن كِبْر" ..

 

● الرابعة:

 

نلاحِظ أنّ النبي صلى الله عليه وآله عَلَّقَ صحّة النذر والوفاء به على مجموعة أمور؛ منها عدم وقوعه موافقاً بالقصد لعيد من أعياد الجاهلية والكفار والمشركين، وهذه الروايات المتعدِّدة عَبَّرتْ صريحة بالأعياد، وهي حتى على القول –فرَضاً- بأنها روايات عامية إلا أنها غير ساقطة عن الحُجية باعتبارها غير محتمَلة الغَرَض في الوضع لها من جهتها المنظورة ..؛ وهذا بالتالي يمثِّل أمارة واضحة على نبذ الشريعة الغَرَّاء لامتثال أعيادهم ونهيها المسلم بشدة عن ذلك.

 

هذا؛ ولو أُشْكِلَ فقيل مثلاً:

 

كان التصحيح للنذر بعدم قصده بعيد من أعياد الجاهلية باعتبار أنّ الإسلام كان في بداية أمْرِه، ثم لَـمّا استقوى المسلمون واستقَر أَمْرُهم وما عاد يمكن زعزعته أصبح لا وجه للاعتناء؛ ذلك باعتبار انتفاء أصل العلة من تشريع الحرمة والبطلان.

 

جوابه:

 

هذا كلامٌ ضعيف، بل في غاية الضعف؛ إذ يرد عليه أَقَلُّها أولاً وثانياً وثالثاً:

أما أولاً: فلأنه ما يدريك أنّ العلة كانت هذه فحسب؟! فلا تَوافُر ليقينٍ بها، ولا أظنك تدعي يقينك بذلك بالحد الذي تَقبَل أن تُقْسِم عليه بالقرآن.

وأما ثانياً: فلأن فتوى العلماء قائمة على بطلان هذا النذر منذ زمن التشريع إلى يومنا هذا، ويصعب زعزعتها بحال.

 

وأما ثالثاً: فمَن قال لك بأنّ المسلمين استقرَّ أَمْرُهم وما عاد يمكن زعزعته؟! أَما ترى كم هم في شتات وضياع وهلاك ودمار، وكيف باتوا يَتجوَّعون ويَتعطَّشون لِرِكاب الغرباء، ويَتبِعون كل شاردةٍ وواردة، وجهْلهم بدينهم يَبعث على السخرية والغزو والاستعمار ويجرُّ عليهم الويلات والمِحَن!

أما ترى المفاسد وقوتها في الشيعان؟ أما ترى السفور؟ أما سمعتَ بنُسخة القرآن التي نُشِرَتْ قريباً في إحدى البلدان الإسلامية بحذف آيات الجهاد منه؟ أما ترى القنوات الفضائية التابعة للمسلمين أكثرها قنوات فجور وبلايا؟ ولنَأخُذ مثالاً واقعياً واحداً فقط من بلداننا الإسلامية، فأنت اخرج للأسواق وانظر كم دكان فيها لبيع أشرطة الأغاني التي هي محرَّمة لتَعرِف حقيقة هذا الادعاء، وبالأمس شُتِمَ نبيُّنا وأُهين بالصور المخزية، فهل حَرَّكَ أحدٌ ساكنا؟! ..

 

هذاً نقضياً، وأما الإيراد حَلِّيّاً؛ فإنَّ تعبير الروايات بأعياد الجاهلية هو تعبير مُساوِق يراد به الكفار. زِدْ عليه أنّ الأخبار قَرَنَتْ بين أعياد الجاهلية وأعياد الكافرين والمشركين، ولم تقل أعياد الجاهلية فحسب، وواضح أنها شاملة لأعياد أهل غير مِلَّةِ الإسلام، وهل أهل غير مِلَّة الإسلام هم في ذلك الزمان دون غيره من الأزمنة الحاضرة والآتية؟!

قطعاً كلا؛ بل إنّ ازدياد شوكة أهل المِلَل الأخرى بات أشد وأقوى اليوم من ذي قبل، خصوصاً بعد التطور التقني على جميع الأصعدة، فصار لهم أن يَدخلوا كل مكانٍ وبيت، ويعرفوا أصغر وأكبر خصوصياتك، لدرجة أننا ما عدنا نطمئن على أولادنا وهم في أَخَصِّ الأماكن ..

 

أضف إليه أنّ الروايات تتحدَّث عن حُـكمٍ تشريعيٍّ دائم ثابت لا عن حُـكمٍ توقيتي متغيِّر موكول لبقاء العلة وانتفائها؛ أي عن حكم مثيل لحكم الصلاة، فهل الصلاة ينتفي حكمها؟ وأنت خبير بأنّ حلال محمدٍ حلالٌ إلى يوم القيامة وحرامه حرامٌ إلى يوم القيامة؛ بالتالي لا وجه علمياً هاهنا للتذرُّع بمِثل هذه الأقاويل الهزيلة.

كل هذا يجب لحاظه مع مجموع ما ذكرناه من الأدلة وما سنذكره في الملاحظات الباقية من جنبته.

 

● الخامسة:

 

نلاحِظ أنّ النبي صلى الله عليه وآله لَـمّا هاجرَ إلى المدينة فوجَد عند أهلها بعض الأعياد، نهاهم عنها وقال لهم بأنّ الله أبدلكم بأعيادٍ خيرٍ منها. بل نجد فيما نقله الآبادي تصريحاً بإبطال الإسلام لذلك، وقد وردت في ذلك أحاديث عديدة غير التي ذكرناها، وصرَّحَتْ باسم اليهود والنصارى أيضاً ..

ومن هذا الإبدال الإلهي مثلاً عيد يوم الجُمعة، الذي هو في مقابِل عيد يوم السبت الذي هو عيد عند اليهود، وعيد يوم الأحد الذي هو عيد عند النصارى قبل العيد الكبير ..

 

وإلا كان بإمكان النبي صلى الله عليه وآله أن يمضي تلك الأعياد التي كانت عند العرب .. ويهذِّبها دون أن يكلِّف نفسه مَشاقَّ إبطالها والاعتراضات والتمردات المشاغِبة الآتية من المعاندين مِن حولِه، خصوصاً وأنّ أغلب أهل المدينة أقبلوا عليه وعلى دعوته منذ أول هجرته إليهم، إلا أنه رغم ذلك نهاهم بشدة وأبدلهم بأعيادٍ غيرِها.

 

● السادسة:

 

نلاحِظ إضافة الأعياد الأربعة للمسلمين، وما عداها يضاف للكافرين والمشركين، ومعلوم أنّ الفارق بين المسلم وبين الكافر والمشرك هو اتّباع كلُّ واحدٍ لما لديه، أضف إليه ‘‘النهي الصريح والمشدَّد العام’’ على عدم اتّباع ثقافات وأعراف الكفار والمشركين؛ بالتالي هذا فيه دلالة واضحة وصريحة على حرمة التشبه بهم في عيدهم، وأنّ ما يُختلَق من الناس من العموميات على خلاف الموجود يكون مصداقاً للابتداع والبدعة، والبدعة حرام، بل من أشد الحرمات.

 

وإنّ من أشد العَجَب، أن نجد الغرب يستهزئون بنبينا العظيم صلى الله عليه وآله، فمرَّة يقولون عنه ليس بعقلاني، ومرة يصوِّرونه برسومات دنيئة، حيناً بعد حين، يفعلها بعضهم ويسكت عنها بقيّتهم تأييداً وتشجيعاً ..، ثمَّ نحن ندعي الغيرة على نبينا صلوات الله عليه وآله في الوقت الذي نتشبَّه بهم ونأخذ ثقافتنا منهم وندافِع عنها مستميتين، ونحارِب كلام الدِّين ونَشتِم أهل العلم الذين يريدون صلاحنا ونجاتنا ولا نتأدب مع أحدٍ ولا نوقِّر صغيراً أو كبيراً، كل ذلك لأجل تقديم وإقامة الأهواء الآتية الغَزوية الوافدة، فلا نُظهِر التضايق على ذلك ولو حتى بمجرَّد التجنب عن ثقافاتهم وتلقيناتهم، فأيُّ غيرةٍ تلك التي ندّعيها!

 

أفما نستحي من الله ورسوله وإمام زماننا؟! {قُلْ إن كانَ آباؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأَزْوَاجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوَالٌ اقتَرَفْتُمُوها وتِجارةٌ تَخْشَونَ كَسَادَها ومَساكِنُ تَرْضَونَها أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللهِ ورَسولِهِ وجِهادٍ فِي سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حتَّى يأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ(24)}[التوبة].

 

إن قيل:

 

ولماذا إذاً تخِـيْطون الأقمشة الواردة من بلدانهم وتَلبسونها وتصعدون السيارات المستورَدة وتستعملون الأجهزة المصنوعة بأيديهم ...؛ فلماذا هذا التبعيض والتناقض؟!

 

قلنا:

 

أين هذا الكلام مِن حرمة اتّباع ثقافاتهم ومعتقداتهم وأعرافهم؟! فهل شراء الأجهزة والموارد الطبيعية التي خلقها الله تعالى لعباده جميعاً بيده هو اتّباع لثقافاتهم وأعرافهم!

مقارَبة غريبة والله، ولا أظنها بحاجة لمزيدٍ من الجواب أكثر من هاتين الكلمتين اللتين ذكرناهما؛ فدقِّقْ تَفْهَم.

لكن السؤال يعاوِدُ نفسه: لماذا كل هذا الدفاع عن الدُّخلاء ونحن على يقين بما يُحاك للإسلام وأهله؟

أَما نَسمع قول الله تعالى:

 

{واغفِرْ لأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) ولا تُخْزِنِي يومَ يُبْعَثون (87) .. وأُزْلِفَتِ الجَنةُ لِلمُتَّقين (90) وبُـرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلغاوين (91) وقيلَ لَهُمْ أينَ ما كُنتُمْ تَعْبُدون (92) مِن دُونِ اللهِ هلْ يَنصُرونكُمْ أوْ يَنتَصِرون (93) فكُـبْـكِـبوا فيها هُمْ والغاوون (94) وجُنُودُ إبليسَ أجمَعون (95) قالوا وهُمْ فيها يَخْتَصِمون (96) تاللهِ إِن كُـنّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِين (97) إذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ العالَمين (98) وما أَضَـلَّنا إلا المُجْرِمون (99) فَما لَنَا مِن شافِعين (100) ولا صَدِيقٍ حَميمٍ (101) فلَوْ أنَّ لنا كَـرَّةً فنَـكُونَ مِنَ المؤْمِنين (102) إنَّ في ذلكَ لآيةً وما كانَ أكْثَرُهُم مُّؤْمِنين (103)}[الشعراء]. {فَما بَكَتْ علَـيْهِمُ السَّماءُ والأرضُ وما كانُوا مُنظَرين(29)[الدخان].

 

هذا؛ وحتى في استعمال بضائعهم فلسنا نعني بهذا: التشجيع على الاستيراد فوق حد الحاجة؛ إذ كنا ولازلنا نشجِّع على الصناعات المحلية وتطوير الإنتاج الداخلي وبناء القوة الذاتية وعدم أَسْر أنفسنا لهم وتمكينهم منا بالتذرعات السياسية والحِصارات الاقتصادية التي قد تَـكون في أيِّ لحظة والاستعداءات الاستيطانية وغيرها؛ فإنّ أبناء بلادنا العزيزة بحمد الله تعالى لا تَنقصهم الطاقات والقدرة فيما لو تم فسْح المجال لإبداعاتهم ونشاطاتهم الصناعية والعلمية، فالعقل رهينُ مَن استفاد منه واستعمَله، وهو مَلَكة يمتلكها الجميع ولم يَختصّ الله تعالى بها أُمَّةً عن أخرى بشمول قوله عز وجل:

 

{واللهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطونِ أُمّهاتِكُم لا تَعْلَمون شيئاً(78)}[النحل]؛ فهم كذلك كانوا لا يَعْلمون شيئاً، لكنهم مؤخَّراً استفادوا من طاقاتهم ومِن تراث أسلافنا وأَفسَحوا المجال لأبنائهم؛ فصَنعوا وتقدَّموا مثلما تقدَّم العرب والمسلمون الأوائل حينما استفادوا من قِواهم الكامنة، إلا أنهم باتت أمجاد أجدادِنا في أيدي غيرنا وفي مهبِّ ذكرياتنا بعد الفتور العلمي والتثاقل والحصر.

 

● السابعة:

 

نلاحِظ أنّ الروايات عَرَّضَتْ بأعياد الغير، ومايزَتْ باللفظ الجَلي؛ وقد مرَّ بك رواية:  "إنّ لكلِّ قومٍ عيداً وهذا عيدنا"، وكذا في الروايات الكثيرة المفسِّرة لقوله تعالى في براءة: {وأَذانٌ مِن اللهِ رسولِه إلى الناس يومَ الحَجِّ الأكبر) بما فيها مِن مصادَفة أعياد غيرِنا في ذلك اليوم حسبما نطقتْ به الأخبار المتضافرة ..؛ فتعبير عيدنا بضمير النِّسْبة وغيره من التعبيرات هو بيان آخر يَستبطِن الإشارة لأعياد الإسلام والمسلمين، والممايَزة به عما ليس من عُرْفِ المسلم؛ وهذا بالتالي يعني أنّ اتّباع أعياد الغير ليس من الإسلام في شيء.

 

● الثامنة:

 

نلاحِظ الأمر الشرعي بنَدْبِ صيام بعض الأيام المقارِنة لأعياد غيرِنا؛ وهذا يعني عدم الاحتفاء بها؛ ذلك لأنّ الصيام مفاده الانقباض والإمساك عن الطعام والشراب وغيرهما من ممنوعات الصيام، بخلاف الحال الذي يقوم عليه العيد؛ ومن ذلك صيام أعياد الكفار وصيام عيد بني أمية في عاشوراء؛ إذ أُمِرنا في مذهبنا بصيامه إلى العصر تجنباً للسرور والفرح فيه.

 

● التاسعة:

 

ولك أيضاً في جَعل آية (يوم الحَج الأكبر) مِن سورة براءة وسياقها والتَّبَرِّي ما يفيد الغرض المقصود مِن حرمة العمل بطقوس غيرنا، سيّما وأنّ التبري قُرِن بشعيرة هي من أعاظم شعائر الإسلام وهو الحج. وليس الحج إلا التهذيب للنفس على الفضائل وترويضها بالطاعة ومَحاسِن السجايا والخِصال وتجنيبها للعصيان والأخلاقيات الذميمة والتشبه والبِدَع والعناد والتكبر على أوامر الله والذنوب كبائرها وصغائرها. 

 

● العاشرة:

 

نلاحِظ أنّ للعيد آدابٌ ومَناسك وأدعية .. وأنه تذكرة بالآخرة، وقد مرَّ عليك بعضُ ذلك فيما نقلناه عن كنز العُمّال وعن الشيخ الصدوق مِن خطبة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام وما رواه الشيخ الطوسي في كتابه الثمين مصباح المتهجد والسيد ابن طاووس في كتابه الإقبال وكذا كلام بعض الأعلام رضوان الله عنهم، فأين هذا من الأعياد المصنوعة؟! ومعلومٌ أنّ الله تعالى لا يُطاعُ مِن حيث يُعْصى.

 

● الحادية عشر:

 

لقد جَعَل الله تعالى سورة الفاتحة واجبة بخصوصها في الصلاة التي هي عمود الدِّين، فإذا تدبَّرنا معانيها؛ فنجدها تقول: {اهدنا الصِّراطَ المستقيم صِراطَ الذينَ أَنْعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالين}؛ والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، فأنت في كل صلاةٍ تَقرأ هذه العبارة مرتين، وأقَـلّها في اليوم تقرأها عشر مرات، لماذا؟

هلَّا تَفكَّرتَ؟

 

● الثانية عشر:

 

نلاحِظ أنّ نبي الله عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام لَمَّا أراد عيداً استأذنَ من الله تعالى أولاً كما جاء في نَـصِّ الآية المبارَكة، ولم يَذهب من تلقاء نفسه ليَجعل عيداً بهواه وأهوائه؛ فإذا كان هذا هو حال الأنبياء يتأدَّبون مع ربِّهم فكيف بنا نحن العبيد الأصاغر؟! كيف لنا أن نتجرَّأ على الله من أهوائنا وبجُعُولاتِنا!

ونفس الأمر نلحظه في قول نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله: أبدلكم الله بخيرٍ منهما. فهو نَسَبه لله تعالى دون جعلٍ مِن عند نفسِه.

 

نكتفي بهذه الملاحظات على ما أوردناه من النصوص والأخبار، وإن شاء الله يأتيك في الآتي بيانُ بقية ما خَفيَ عليك، مع أنّ الملاحظات التي ذكرناها كفيلة بجعل المؤمن المتقي المريد للطاعة والخير أن يعي ما عليه رأي دِينه وحُكْم شريعته، ويَحتاط لها كما يَحتاط لمالِه الفاني، فهي الباقية، وغيرها إلى زوالٍ {يومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون (88) إلا مَنْ أتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَليم}، يومَ {لا يَسألُ حَمِيمٌ حَميماً}، {يومَ تَرَونَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعةٍ عَمّا أَرْضَعتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى الناسَ سُـكَارى وما هُمْ بسُـكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيد}.

 

أمين السعيدي-قم المقدَّسة

27جمادى الأول1436هـ

 
-----------------
 
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1184
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629677
المتواجدون الان: 4