السيد أمين السعيدي
السبت, 04-04 01:10 مساءً
عيد الأم[7]، فتاوى الفقهاء وحقيقة المصداق
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق.
(0) تعليقات

مع الفقهاء:

 

لم يُعهَد أن سُئِل الفقهاء قديماً عن حُكم عيد الأم وضُروبِه؛ باعتبار عدم توفُّر آنذاك الانفتاح الحاصل اليوم في عصر التكنلوجيا وسهولة المواصلات .. وعدم ابتلاء الدِّيار الإسلامية به، حيث كانت بدايات دخول الفكرة للمسلمين مؤخَّراً في مصر تقريباً بتاريخ 1943م، وتمَّ العمل به فيها تقريباً بتاريخ 1956م، ثمَّ شيئاً فشيئاً بمرور الزمن استطاعت مصر أن تُصَدِّره لبعض الدول الإسلامية المجاورة، رغم أنه عيدٌ قديم مِن قَبل الميلاد ومن زمن الإغريق وعبادة الآلة الأم وتعتنقه الكنائس المسيحية في يوم الأحد ... فهو من جهة (عيد الآلهة الأم)، ومن جهة أخرى (عيد ميلاد الأم) .. كما سبق أن فصَّلنا في عنوان تاريخه.

 

إلا أنه رُفِعَتْ للعلماء في الآونات الأخيرة استفتاءات حول هذه الأعياد والاحتفال بها بعد أن أصبحَتِ القضية من الوافدات الابتلائية، فكان الناس يَشكُّون بأمر هذا العيد وشرعيته ويَتساءلون عنه ويَنفرون منه؛ فأجاب كثير من علماء إخواننا السنة بالحرمة، كاللجنة الدائمة للاستفتاء في المرَقَّم (3 / 86) والمرقَّم (3 / 59 ، 61) وغيرِها، إلا أنَّ علماءنا خالَفوا في ذلك، وكان رأيهم الاجتهادي على غير ما ذَهب إليه إخواننا السنة، فقال بعض علمائنا رضوان الله عنهم بحلّيّة ذلك شريطة عدم استلزامه لمحرَّم، وبعضهم قَيَّدَ بعدم كونه ترويجاً للكفر والفسوق والطرب والمسيحية والفساد؛ ومنهم السيد الخوئي والشيخ التبريزي رحمهما الله والسيد السيستاني مدَّ الله في عمره.

 

أقول: إنَّ جميع فقهائنا الأجلاء الذين أفتوى بالحِلّيّة يريدون هذه القيود ويقيدونها بها؛ ولنأخذ هنا على سبيل المثال فتوى السيد السيستاني حفظه الله كنموذج فتوائي في ذلك، حيث وردَت المسألة التالية، نذكرها نصياً مع جوابها:

 

(السؤال: هل يجوز الاحتفال بأعياد الميلاد؟

الجواب: لا يجوز إذا كان فيه ترويج للكفر والفسوق والطرب).

وسألوه مرة أخرى:

(السؤال: هل يجوز المشاركة في مجالس الاعياد الغير الاسلامية؟

الجواب: إذا كان فيه ترويج للمسيحية أو للفساد فلا يجوز)[1].

والغريب أنّ بعض المؤمنين هداهم الله، من أجل الانتصار لرغبة يَأخذ من الفتوى كلمة يجوز وكلمة لا مانع ويعممها، ويغمض عينيه عن باقي القيود المذكورة!

 

تعليق على فتواى الفقهاء رضوان الله عنهم:

وهنا نناقِش فتواهم ونعلِّق عليها من ست جهات كما يلي:

 

الجهة الأولى:

 

لم أجد مَرْجِعاً واحداً من فقهاء الشيعة الأجلاء أفتى باستحباب هذا العيد ولا حتى مجرَّد رجحانه كما صدرَ عن بعض الإخوة الأعزاء، بل بعض الإخوة وصل إلى حد أنه احتَمَلَ وجوبه، وبعضهم صرَّحَ بوجوبه ..!

فأين كلام الفقهاء مِن حُكم الاستحباب والوجوب ..!

 

الجهة الثانية:

 

إنَّ عدم قول العلماء قديماً بحرمة عيد الأم فلأنه –كما ذكرنا- لم يَكن موجوداً بينهم ولم يَبتلُوا به؛ لذا لم يَتعرَّضوا له بعنوانه الخاص هذا، وإلا فإنهم حَرَّموا غيره، وتحريمهم لغيره يَستلزِم تحريم أمثاله؛ ذلك لعدم الخصوصية والفَصْل؛ بالتالي فإن حُكم هذا يَسري إليه حُكم ذاك، ولعل هذا هو مما أَوْعَزَ ببعض العلماء رضوان الله عنهم لتجويز عيد الأم وأمثاله؛ إذ لم يَرِثوا فيه تحريماً صريحاً له بعنوانه من السابقين، لكنهم رفع الله شأنهم لو لاحظوا عدم الخصوصية بين هذا وذاك؛ لكانَت فتواهم بالتحريم والمنع عن هذا مثل ذاك، والحقُّ أنّ هذا لا يَختلف عن ذاك في شيء، فكلاهما جاء من ثقافةِ وعُرْفِ الدَّخيل، بل وجذوره أشنَع وأشد حرمة، حيث أنه عائد من عبادة الآلهة الأم كما سبق لك أن عرفتَ.

 

الجهة الثالثة:

 

ربما كان نظر فقهائنا –رضوان الله عنهم- في الفتوى لم يَأخُذ بعين الاعتبار الأضرار الناجمعة عن الأمر؛ باعتبار استجداد المسألة، بل هو هذا المتعيِّن؛ إذ لم أجد في بحوثهم تعرُّضاً لبحث الضرر فيه، بل ولا حتى بحثاً فقهياً تخصصياً مستقلاً ومنفرداً في خصوص المسألة؛ لذا قالوا بالحلّيّة، ولو أنهم على الأقل بَحثوا جهة الضرر منها لأفتوا بالمنع والحرمة أو على الأقل الاحتياط؛ وإنّه يَغلِبُ ظني على أنهم قيَّدوا بعدم اشتمال ذلك على القيود المذكورة من باب تَوَخِّي الضرر ما لو وُجِد؛ وبالتالي كأنهم مَنعوه بنفس القيود؛ بل هو ما يوحي إليه أيضاً طريقتهم في الجواب على المسألة؛ إذ بعضهم يَبدأ في عبارة الجواب بكلمة: (لا يجوز) ثم يكمل بذكر القيود كما رأيتَ مثلاً في فتوى السيد السيستاني مُد ظِلُّه الوارف، وهذا أسلوب يوحي بالنَّفرَة من هذا العيد؛ فتأمَّلْ.

 

الجهة الرابعة:

 

قد بَانَ لك من خلال ما ذَكرنا أنّ الأمر يَستلزِم الضرر، بالأضرار الشديدة الوخيمة والحرمات الممنوعة؛ وهذا يعني أنّ القيد الذي ذكره الفقهاء في فتاواهم متحقّق في المسألة؛ بالتالي فهو ممنوعٌ حتماً. ولا أقَل من الاحتياط.

هذا كله لـمَن يريد اتباع الفتوى والتقليد.

 

الجهة الخامسة:

 

وهي غيْر بحث الفتوى والقيود؛ إذ نَعود لأصل الدليل في المسألة؛ لذا زِدْ على ذلك أنه في بحث الآيات والروايات المتقدِّم ثَبتَ منه بالدليل أنَّ استحداث الأعياد أمر باطل في الشريعة.

 

الجهة السادسة:

 

لو أنّ الفقهاء أخطئوا اجتهادياً في الاستنباط بهذه المسألة؛ فهذا ليس به ضَيْر ولا مَنْقَصة ولا يعني صواب ما قالوه على الإطلاق؛ فالفقيه يَجتهِد فيصيب أو يُخطئ، وهو في كل ذلك مأجور؛ إن أصابَ فله عند الله أجران وإن أخطأ فله أجرٌ واحد، والعصمة لله ولرُسُلِه، وكل فقهائنا والحمد لله يقرُّون لأنفسهم بعدم العصمة، وما أكثر ما يَختلِف الفقهاء في نتاج الاستنباط والفتوى لَحتَّى لا تكاد توجَد مسألة فرعية إلا وفيها خلاف عدا ما سَلم مِن مَباحِث الميراث ونظائرها، بل وإنَّ الفقيه المجتهِد الواحد نفسه تتغيَّر فتواه في المسألة الواحدة من حينٍ لآخر تبعاً لتَعمُّق البحث لديه وعدم توقُّف الاجتهاد الفقهي عند حد؛ وهذا بالنتيجة كما قلنا لا يمس بأقدارهم وجلالة مقاماتهم رحم الله الماضين منهم وأَيَّدَ الباقين.

 

إنّ العلماء الحقيقيين أهل تقوى وورع وقدوة والعلم شُعلةٌ ومَنار، فبمجرَّد أن يَتضح الخطأ للعالِم فإنه مباشرة يبادِر لتَجافيه وتصحيحه، وإنّ الفقهاء أنفسهم يَجْعَلون من (مرجِّحات التقليد) بعد (التكافؤ في الأعلمية) : مرجِّح (الأورعية)؛ ويعنون بالأورعية الأكثر تحوُّطاً في المسائل والفتوى.

 

عودة على مَبحث المِصداق:

 

سبق أن تحدَّثنا في البدايات عن مسألة المِصداق، وأنه ليس كل مِصداق للحكم الشرعي الكُلي الواجب هو مِصداق واجب، بل وأنّ بعض مصاديق الحُكم الشرعي الكُلي الواجب هي محرَّمة، وضَربنا لذلك مِثالاً حول ما لو كان إسرار الأم يوجِب عقوق الأب؛ فإنه يكون قبيحاً عقلاً وحراماً شرعاً؛ فلا نُعيد.

والذي نريده هنا هو تعميق البحث المصداقي أكثر مما ذكرناه، وهو يحتاج إلى شيء من التركيز؛ وذلك بأن نقول:

 

إنّ المصداق على قسمين:

1- المصداق اللزومي المعيَّن.

2- المصداق البَدلي.

وليتضح لك ذلك نضرب لك الأمثلة التالية:

 

ولنأخذ مثالاً ما يَدور في مَدار بحثنا ليكون أقرب للأذهان وأوعى للإفهام؛ وهو حُكم بِر الوالدين؛ فهذا الحكم هو من ناحية لازم عقلي باعتبار حُسْنِه، وإرشاد شرعي لحُكم العقل، وإن شئتَ فعبِّرْ: واجبٌ شرعي باعتبار الشرع أمَر به على نحو اللزوم.

وهذا الحُكم اللزومي له مصاديق كثيرة، وهو باعتبار مصاديقه يكون أمراً كُلِّياً فوق مصاديقه.

 

ومن هذه المصاديق: عدم شتم الوالدين، وتقديم الورود لهما، وعمل بخورٍ لهما كل صباح، وعدم رفع الصوت عليهما، وإعطاؤهما جزءً من راتبك، وتمشيط رأسيهما، وعدم النظر إليهما بحِدَّة وإخافتهما، ورش العطر عليهما كل يوم، والمشاهَدة معهما، والتبسم الدائم في وجهيهما، وقراءة القرآن لهما، وتقديم الحلويات لهما، وعدم رفض طاعتهما بجلب ما يريدانه من الاحتياجات  المباحة، والجلوس للحديث معهما بعد كل وجبة، وتعديل جهة نعليهما ليكون اللبس سهلاً عليهما حال خروجهما، ووضْع قطعة من القماش في مكان جلوسهما، وعدم مد اليد عليهما بضربٍ وما شابه، والوقوف لهما عند مرورهما بجانبك، وعدم مد القدمين في حضورهما، وتقبيل رأسيهما ويديهما ..

 

فهذه كلها مصاديق للبِر، ولكن منها ما هو لازم تعيُّناً لا ترخيص في تَرْكه، ولو حصل ترْكُه فإنه يَستلزِم العقوق والمعصية والإثم الكبير الموبِق عند الله تعالى، حتى عدَّته بعض الروايات من موجِبات هزِّ عرش الله تعالى، والعياذ بالله؛ ومِن ذلك مما ذكرناه:

 

عدم شتم الوالدين، وعدم رفع الصوت عليهما، وعدم النظر إليهما بحِدَّة وإخافتهما، وعدم رفض طاعتهما بجلب ما يريدانه من الاحتياجات  المباحة، وعدم مد اليد عليهما بضربٍ ..؛ فهذه كلها مصاديق تعيينية لازمة لا يمكن للابن أن يتجاوزها بتاتاً.

 

بينما بقية المصاديق الأخرى التي ذكرناها؛ فهي بـ(عنوانها الأولي) كلها حسنة، ولكنها لها بدائل في عرْضِها وليست تعيينية؛ لذا إذا لم تَمتثِل منها فلا تُعَدُّ عاقَّاً عقلاً ولا آثِماً شرعاً، بل حتى لو لم تفعلها كلها فلا تعد عاقاً، إلا إذا دخل شيءٌ من هذه العناوين تحت عنوان تعيُّني لزومي من المصاديق المتعيِّنة اللزومية.

رَكِّزْ معي؛ فمثلاً:

 

قُبْح وعدم جواز رفض طاعتهما بجلب ما يريدانه من الاحتياجات  المباحة؛ فهذا قلنا عنه بأنه مصداقٌ تَعيُّنيٌّ لزومي، فلو كان الوالدان يريدان من ابنهما شراء الخبز لهما في كل صباح أو عمل البخور لهما بعد كل وجبة غذاء؛ فهنا يتحوَّل هذا المصداق الغير واجب إلى مصداق واجب ببركة المصداق التعيُّني اللزومي، والذي هو عدم جواز رفض طاعتهما بتنفيذ احتياجاتهما المباحة، وهذا المصداق يتبدَّل أيضاً بتبدُّل الرغبة منهما وباختلاف طبائع الآباء والأمهات.

 

وعليه؛ فإنّ المصداق البدلي هو من حيث حكمه الأولي –عقلاً وشرعاً- غير لازم ولا يحظى بالوجوب، بخلاف المصداق التعيُّني الذي هو مِحوَر الأمر العقلي والشرعي الكُلِّي الذي هو (لزوم ووجوب البِر)، فأنت تستطيع في يوم ترش عليهما عطراً لطيفة، وفي يوم آخر تقدِّم لهما بدلاً من ذلك وردة، وفي يوم ثالث تقدِّم لهما قطعة من الحلاوة، وفي يوم رابع تعمل لهما مساج، وهكذا ..؛ فتبدِّل في نواحي البِر الكُلي في دائرة المصاديق من (القِسيْم الثاني) كيفما تريد إن شئتَ العمل بها وتكريمهما بذلك، إلا أنّ هذا المصداق البدلي قد يَصير وجوبياً، ولكن بـ(اعتبارات ثانوية) فيما لو تدخَّلتْ فيه؛ وذلك فيما لو ارتبط المصداق البدلي مباشرة بمصداق من دائرة (القِسْم الأول "المصاديق التعيُّنية")، فالمصداق البدلي من أصله ليس بواجب، ولكنه بسبب الارتباط العارض عليه –لو حَصَل- فإنه يَكون واجباً، تماماً كما مَثَّلنا وكما لو كان الوالدان أَمرا ابنهما برش العطر عليهما كل يوم، فيَتحول رش العطر من مصداق غير واجب إلى مصداق واجب بسبب أمرِهما للابن به.

 

ثمّ تعال إلى مصاديق القِسم الثاني المذكورة للبِر (المصاديق البدلية الغير واجبة)؛ فلنقف عندها من جهة دائرة الأحكام الأخرى غير حُكم البِر؛ فمثلاً طاعة الزوجة لزوجها، هذا حُكم وجوبي غير حُكم البِر بالوالدين؛ فهذا الحُكم الوجوبي الآخر لو تصادَم مع مصداق بدلي للبِر بالوالدين أو حتى مع مصداق تعيُّني للبِر بهما؛ فإن هذا الحُكم الآخر يقدَّم عليه إلا في موارد شرعية قليلة جداً ومعدودة نادرة؛ فمثلاً:

 

لو كان الزوج يريد زوجته تقوم عن والديها وترجع معه إلى البيت، وكانت جالسة معهما ويريدانها تبقى باعتبار اشتياقهما لها ورغبتهما بالحديث معها أكثر؛ فهنا يكون اللازم على الزوجة هو القيام والعمل برغبة الزوج لا رغبة الوالدين.

 

لاحظ كيف أنَّ المسألة هنا اختلفت، مع أنّ طاعة الوالدين هي من المصاديق التعيُّنية اللزومية.

وكذا الحال في أيِّ مصداقٍ بدلي يتعارض مع حُكم آخر لزومي من دائرة الأحكام اللزومية؛ فإنّ المصداق البدلي يَسقط تماماً عن مصداقيته، بل حتى تعبير المصداقية عليه من تلك الجهة الخاصة يَكون من باب المسامَحة وإن كان بلحاظه الأولي يُعدُّ مصداقاً حقيقياً.

 

كل هذا مع ملاحظة أنّ الأحكام اللزومية المتكافئة لا يمكن أن تتصادم فيما بينها؛ فكلامنا هنا هو: 1- في (مصداق بدلي) مقابِل (حُكم لزومي) تعارَض معه، 2- أو (مصداق بدلي) مقابل (مصداق لزومي) من نفس حُكمه الكُلي فأَوجَبه ثم تَعارَض مع (حُكم لزومي آخر)، 3- أو (حُكم لزومي) تَعارَض مع (حُكم لزومي أهم منه)؛ فيقدَّم الأهم على المهم.

 

وكذا الحال في مسألتنا؛ فإنّ عيد الأم ليس مصداقاً تعيُنياً لزومياً، فهو مِن جنسِ المصاديق من القِسم الثاني (المصاديق البدلية)، وله بدائل كثيرة جداً كفيلة بتحقيق الأمر والحُكم اللزومي الكُلي الذي هو البِر بالوالدين؛ بالتالي فإنّه بمجرَّد أن يَصطدِم مع مصداق من القِسم الأول من مصاديق حُكمه الكُلي اللزومية؛ فإن هذا المصداق البدلي يكون قبيحاً ويَفقِد حتى حقيقة مصداقيته من تلك الجهة؛ فيَسقط.

 

وكذا ما لو صار هذا المصداق البدلي الذي هو عيد الأم، لو صار على فرض –بعنوانه الثانوي- أمراً لزومياً اكتَسَبَ لزومه من نفس المصداق التعيُّني؛ وذلك كأن كانت الأم تريده وتَرغَب فيه وتَأمر أبناءها بعمله لها؛ فهذا المصداق البدلي (عيد الأم) بمجرَّد معارَضته لمصداق لزومي آخر أهم واقع تحت حُكمه الكلي يَكون قبيحاً وممنوعاً.

 

ونفس الأمر فيما لو تصادَمَ هذا المصداق البدلي مع حُكم لزومي آخر لا مع مصداق تعيُّني من جِنسِ حُكمه الكُلي الذي هو البِر؛ فهنا يكون هذا المصداق البدلي -عيد الأم- ساقطاً عن أي قيمة فيَكون قبيحاً ممنوعاً.

 

فما بالك لو اجتمعت هذه التعارضات الثلاثة كلها في وجه هذا المصداق البدلي؟!

 

حينها لا شك سيكون هذا المصداق البدل لا يتمكَّن من مقاومتها وأضعف من أن تقام له أي قيمة. بل ما بالك ما لو كان هذا المصداق البدلي معارَض بهذه المعارضات الثلاث وكان في كل واحد من هذه الثلاثة أكثر من جهة تعارِضه وكان هناك أكثر من حُكم لزومي من دائر الأحكام اللزومية الأخرى يعارضه، وكانت الأحكام اللزومية الأخرى التي تعارضه كثيرة جداً تصل إلى ثلاثة عشر أو أكثر بكثير كما سبقَ لك أن عرفتَ؟!

حينها يكون أي تَشبُّث بهذا المصداق البدلي هو مجازفة عظيمة مِن فاعلها.

 

عودة على حُكم (وجوب) و(استحباب) عيد الأم:

 

والآن تعال لحُكم وجوب عيد الأم الذي قال به بعض الأعزة؛ فلنقف عنده وقفة علمية من جهة أخرى غير ما ذكرناه مما باتَ واضحاً لديك، وليعذرنا الإخوة الأفاضل القائلون بالوجوب فهكذا هي طبيعة مَجْرى البحث؛ وهذه الجهة الأخرى التي نريد الوقوف عندها هنا هي: المحذور المتعلِّق بأفراده التي يَنصَب عليها حُكم الوجوب؛ حيث نقول:

 

إذا كان عيد الأم واجباً؛ فهذا يعني أن آباءك وأجدادك وآباءنا وأجدادنا والنبي والأئمة عليه وعليهم الصلاة والسلام وإمام الزمان أرواحنا فداه والمسلمين الذين سبقونا كلهم عَصوا الله في كل عام، وكل مَن لا يقيمه الآن من العلماء والتُّقاة وغيرِهم فهم قد ارتكبوا معصية من الكبائر باعتبار تركهم لواجب، وهذه المعصية تتكرر من كل واحد منهم في كل عام! فهذه والله المصيبة العظمى على الله ورسوله ودينه وعلى أبي صالح. ويحار العقل واللب منها.

فهل تَلتزِم بهذا الكلام؟

 

فإن احتُجَّ  فقيل مثلاً:

هو واجب على العالم بوجوبه، لا على الجميع، أو هو واجب كفائي فحسب.

 

فأقل ما نجيب على هذا الكلام بأنّ: المعصومين هل هم علماء دائماً أم لا؟ ولو على الأقل في المسائل الشرعية؛ هل هم علماء دائماً بها أم لا؟

 

إن قلتَ نعم علماء؛ وأعتقِد أنك تقول بأنهم علماء؛ فإنه يرِد عليك بأنهم ماداموا علماء فإذاً بالقدر المتيقَّن على الأقل هم عصوا؛ ومعصيتهم أيضاً من جهتين لا من جهة واحدة فقط؛ فهُم بهذا يكونون لم يعصوا فقط من حيث التطبيق وإنما عصوا أيضاً من حيث التبليغ؛ بالتالي يَلزَمك القول بعدم عصمتهم! مع أنك تؤمن قطعاً بعصمتهم وهُم أسبَق وأسرعُ الناس إلى الخيرات وهُم المَثَلُ الأعلى والقدوة ..

 

ثمَّ دَعْ عنك أنه واجب، فلنقتصِر على قول مَن قال مِن الإخوة باستحبابه؛ فنَسأل:

 

على المبنى القائل بأنّ المعصوم لا يَدع المستحب ولا يَفعل المكروه؛ إن كُنتَ ممن يَلتزِم بهذا المبنى؛ فيرِد عليك أنه لو كان مستحباً؛ لكان يَجب عليهم أنهم فعلوه ولو على الأقل في بعض السنوات، والحال أنه لم يَصدر عنهم ذلك بتاتاً، بل الصادر عنهم هو المنع عن أمثاله كما سبق؛ فكيف حَكَمتَ باستحبابه؟!

كل هذا ناهيك عما فيه من المفاسد المزبورة.

 

وإن شاء الله يأتيك في الوقفة الختامية القادمة علة استحداث هذا العيد المصنوع من التوراة والإنجيل ..، والبديل الشرعي الإسلامي الصحيح له، وإجابة على التساؤلات العقلانية العلمية التي رُفِعت لنا من المؤمنين حول هذا الأمر والتي تستحق الجواب؛ فارتقِبْ.

 

 

أمين السعيدي - قم المقدَّسة - 29جمادى الأول1436هـ

 

 

[1] موقع السيد السيستاني: الاستفتاءات، الأعياد والمناسبات. رابط مباشر:

http://www.sistani.org/arabic/qa/0294/

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1183
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629676
المتواجدون الان: 4