السيد أمين السعيدي
السبت, 04-04 01:13 مساءً
عيد الأم[8 الأخير]، علّتة والبديل الصحيح
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق.
(0) تعليقات

علة استحداث عيد الأم:

 

نريد هنا أن نقِف على العلة التي دَعت بالغرب لجَعلِه؛ فنقول:

إنّ الغرب حقيقةً بفعل التأثر بالثقافات القريبة منهم، مِن عبادة الآلهة الأم في مجموعةٍ مِن المناطق، وتَسَرُّب ذلك إليهم من عدة جهات، وانفتاح الحرية لديهم دون حد؛ كان ذلك باعثاً من بواعث التأثر بفكرة عيد الآلهة الأم وتجديدها والعمل بها وترويجها.

 

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى؛ كانت الدواعي التجارية تَمتلِك ضِلعاً رئيساً في ذلك.

 

ومن جهة ثالثة؛ وهي لا يُستهان بمَرْكزيتها في قيام الفكرة، كما أنها كثيراً ما تُقْرَن بها؛ إذ أنّ الغرب إنما اصطَنعوا هذا العيد لأنهم ليس لديهم ما لدينا من النِّعَم الروحية والنفسانية والتكافلية والأخلاقية والروابط والقِيَم الأُسَرية؛ فهم لأنهم شَعروا بالأسى بعد وجود هوَّة وفجوة روحية ونفسانية وأُسَرية كبيرة في التكافل والحقوق العائلية والتلاقي والبِر بالوالدين اتضحت لديهم بمرور الزمن؛ لذا وَجدوا أنفسهم مضطرين وبحاجة ماسة لسد هذه الفجوة من خلال جَعْل يومٍ محدَّد للبِر بالأم ..، ولم يريدوا أن يكون في الأديان والإسلام ما يَمتاز على أعرافهم وأَفهامِهم التي صاروا إليها من القطيعة الأسرية والهجران وإنكار الإسلام وضعْف المبادئ الدينية الموروثة لديهم، وعَرفوا أنهم وقعوا في المِحَن النفسانية والإنسانية؛ لذا اختَرعوا بدائل، فكان منها هذا العيد؛ ثم جاء البعض من أبناء الشرق على مختلَف اتجاهاتهم الدينية والفكرية وأَخذوا ذلك عنهم استهواءً وانعجاباً وتشبهاً أو سدَّاً لمشاعر النقص المثيلة التي تعانيها أديانهم وتوجهاتهم، وكذا بعض المسلِمين الذين تأثروا بذلك واعتَنقَوه دُون الدِّراية بأصله وكيف نَتج وتَكوَّن والظروف والدواعي التي دَعت لنشوئه وبروزه والحُكم الدِّيني تجاهه.

 

بالتالي؛ من الطبيعي أن نجد مَن يصر عليه بعد أن وَجد نفسه قد وقع فيه أو تَغلَّب عليه الإعجاب بالفكرة واختارها سلوكاً من سلوكياته، بعيداً عن إعطاء النفس الفرصة الجيدة للنظر العميق في آثاره ودواعيه على المدى الحاضر والمستقبلي البعيد، ودون أن يَلتفِت إلى أنّ طريق العودة مفسوحٌ للعباد، ومَسار التصحيح متاحٌ للعقلاء المُنِيْبِين على الدوام.

 

وهنا يَجدر بنا أن نقف وقفة إثباتية برهانية من خلال –مثلاً- استقراء التوارة والإنجيل، والتدبر بحقيقة هذا الأمر فيهما، حيث كَتب العديد من الباحثين والكتّاب في هذا الشأن، وهنا رعاية للإيجاز والاختصار والتبسيط الذي تعهدنا به في الطرح والعرض نَأخذ على سبيل المثال مقطعاً من مقال للكاتب عباس البهبهاني تحت عنوان (الأم ليست بحاجة لمؤهلات) يَتناول فيه شيئاً من ذلك بما يصوِّر قيمة الأم في التوراة والإنجيل؛ إذ يقول:

 

(ولكن نلاحظ أنّ العهد القديم ‘‘التوراة’’ لم يرد فيه أي تأكيد على دور الأُم أو العناية والرفق بها تقديراً لجهودها المضنية في الحمل والولادة ومعاناتها في السهر على تربية أطفالها. ولو طالعنا العهد الجديد ‘‘الانجيل’’ فنجد من الصعب القول أنّه يحث على احترام الأُم بل العكس فيعتبر أنّ معاملة الأُم معاملة طيبة والإحسان إليها يكون عثرة في طريق الوصول إلى الله. وحسب التعليمات الواردة فيه فإنّه لا يمكن للفرد أن يصبح مسيحياً جيِّداً وتلميذاً للسيد المسيح إلا إذا كره أمه وأبغضها فقد نسب إلى السيد المسيح قوله: "إذا جاءني شخص ولم يبغض أباه وأمه وزوجته وأطفاله وأخوانه وأخواته وحتى نفسه ليس باستطاعته أن يكون تلميذي" 26; Lvlee 24.  أضف إلى ذلك نجد العهد الجديد يصور السيد المسيح (ع) لا يحترم أمه ولا يهتم بها.

 

يقال أنّ أمه جاءت تبحث عنه وكان يخطب في جمع من الناس فلم يهتم بالخروج إليها "حضرت أم عيسى وأخوته وأرسلوا في طلبه وكانوا واقفين في الخارج بينما هو جالس مع جمع حوله وقد أخبروه أن أمك وأخوتك في الخارج يبحثون عنك فقال من هم؟ أمي وأخوتي؟ ثمّ نظر إلى الجالسين وقال: هؤلاء أمي وأخوتي في الله" (Marle 3; 31).

 

 

ربما يحاول البعض أن يصور أنّ المسيح كان يُعَلِّم سامعيه درساً وهو أنّ الرباط الديني ليس أقل أهمية من الرباط العائلي. ولكننا نقول لهم -لو صح ما يقولونه- أنّه كان يمكن للسيد المسيح (ع) إعطاء هذا الدرس وهذا المعنى من دون الإساءة إلى أمه من عدم الاحترام والاهتمام بها.

 

ولكننا لا نصدق بما نُقِل في العهدين القديم والجديد وبهذا الشكل المزري من المعاملة، لان عيسى (ع) الرسول والنبي المبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تصدر منه هذه الإساءة وعدم الاهتمام بأمه وهي السيدة العذراء مريم بنت عمران لِما لها من المكانة والسمو والجلالة عند الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ}[المائدة/ 75]، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً...}[المؤمنون/ 50]. ولأنّه منزه عن ارتكاب الخطأ والقبيح حيث أننا نعتقد انّ الرسول معصوم عن ارتكاب الخطأ والقبيح، ومما لا شك فيه أنّ عدم احترام الأُم مما يعده العقلاء من القبيح، وحاشاه أن يرتكب القبيح. بل أفضل من يطبق التعاليم الإلهية والأخلاقية التي أمر بها الباري عزّ وجلّ هو الرسول الكريم والنبي المبعوث من قِبَلِه تعالى. بل الواقع هو عكس ما ذُكِر في العهدين فإنّه (ع) كان يحترمها ويعظمها ويجلها للمكانة المرموقة التي لها عند الله سبحانه وتعالى)[1].

 

أقول: بينما إذا عدنا للإسلام؛ فإننا نجده يَزْخَر بالتعاليم الراقية والآداب الرفيعة والمواقف العظيمة في التعامل مع الوالدين، وبالخصوص الأم التي أولاها مكانة مضاعَفة على مكانة الأب، فجَعل نصيبها من القدسية بالعدل والحكمة ثلاثة أضعاف نصيب الأب؛ ذلك باعتبار عطائها الجسيم والأعباء الكبرى التي تتحمَّلها في الإنجاب والتعليم والتربية، لحتى قالوا: الأُمُّ مَدْرَسة ..

 

كيف لا وهي صانعة لجنينها في بطنها، تربيه منذُ أول لحظة لوجوده بهذا العالم وهو في غَياهب الظُّلمات في بطنها المظلِم، تغذيه بروحها ونفسها وجسدها وجميع أنحائها، حتى قالت بعض المباني الفلسفية في علم النفس الفلسفي أنّ الجنين في بدايات انعقاده لا يَمتلِكُ روحاً، وأنّ روح الأم هي التي تدبِّرُ الجنين.

وإننا حقيقةً لو أردنا استعراض مقام الأم وشرفها في الدين الإسلامي؛ لاحتجنا بحقٍ الوقوف على ذلك عشرات الأيام لاستعراضه وتحليله والتدبر فيه؛ وهذا أمرٌ لا يَتجرَّأ أحد بإنكاره في ديننا الحنيف.

 

إنّ الشجر إنْ كان منه ما هو (مُثْمِر) و(غير مُثْمِر)؛ فإنَّ الأم شجرةٌ ليس لها أن تَكون إلا مُثْمِرة؛ فليس من الغريب أن تحظى بالعناية العظمى والرعاية الـمُثلى، كما أنه ليس من الغريب أن تَستحق من الاهتمام بها بما لا حدَّ له؛ إذ أنَّ عطاءها ليس بالمحدود، ومَن عطاؤه لا حدَّ له فمقداره لا حدَّ له؛ لذا كان اختزال مقامها وعظَمتها في مجرِّد عيدٍ ويومٍ بالتثاقل والعجز هو من الإجحاف والعقوق الأليم والـمُحْزِن.

 

إنَّ أولى الناس بك هو أمُّك، ثم أمُّك، ثم أمُّك، ثم أبوك؛ فكيف يحق لنا أن نَتجاوز الحق العظيم والشرف الجسيم التي تمتلكه؛ فيكون غيرها مِن الناس أكثر عنايةً لدينا منها!

فإذا كان الخبر يقول: أنتَ ومالُكَ لأبيك. وإذا كانت منزلة الأم أعظم من الأب؛ فكم سيكون حقّها فيك؟

 

إننا مِن وازِع الحب والأخوَّة كُنّا ولا نزال ندعو هؤلاء والجميع لاعتناق الإسلام والاستلذاذ بلذائذه الروحية والإنسانية العميقة العريقة المُنْجِدة، فالإسلام للجميع وليس عليه صك مِلْكيةٍ لأحد، فاعتنِقوه تَسْعدوا وتوفروا على أنفسكم جهد التخبط والحاجة للابتكار المضر الوخيم، فإنكم في نهاية الطريق بعد الجهد والاختراع لن تجدوا أفضل وأكمل وأوعى منه، وها أنتم في كل يومٍ تَجِدون حقائق الإسلام ومعاجزه تتكشف في كل وادٍ وميدان، فاختصروا على أنفسكم وأبنائكم الوقت والمَشقّة ولا تُخسروا من يَرحل منهم وهو لم يتذوق حلاوته وسعادته؛ فإن العناد والكبرياء مأساتهما تَعود عليكم وعليهم وعلى مَن يشاركونكم هذا الوجود، والحكيم لا يَزهدُ في الخير، ولا يَجعل أوبئة النفس والكبرياء تَحجزه عن نَيْل سعادته.

 

وإنّ على المسلمين أن يعوا هذه الحقائق الجليلة، وأن لا تَأخذ بهم الطُّرُق والـمَسالك يميناً وشمالاً عن شريعتهم الغَرَّاء.

 

البديل الصحيح:

 

إنّ البديل الشرعي الصحيح في الإسلام، هو الاحتفاء بالأم في كلِّ حين، وتقدير جهودها باستمرار، في كل لحظة، واستغلال الأوقات الكريمة لإبراز مقامها وجلالة قدرها، وتوعية المجتمع والأبناء بمكانتها وحقوقها، وإقامة الندوات التوعوية والمهرجانات التعليمية والفعاليات التربوية والأنشطة التعريفية المدروسة والخطط الجاذبة الفاعلة والحَملات اللِّجانية الـمَحلية التعبوية بجميع صنوفها في سبيل التعليم وتنوير الأبناء بمقام الوالدين والحث على بِرِّهما والقضاء على مسافات البُعد والهجر والنسيان؛ فإنّ التوعية والتعليم هما الضمان الأوحد الكفيل ببناء الأبناء بناءً سليماً يقوم على تقدير الوالدين والحفاوة الدائمة بهما.

 

وكذا في المقابِل، يجب أن تَكون التوعية على هذا المستوى توعية متكاملة غير انتقائية ولا عاجزة عن تحقيق أهدافها التامة؛ إذ يجب في عْرْضِ وجانِبِ ذلك أيضاً إرساء التوعية للأمهات والآباء أنفسهم بحق أبنائهم وبناتهم، بذات الوقت نفسه؛ كي لا تكون الرؤية إيهامية للآباء والأمهات على مَهَبِّ الخيالات والتعاظم، فتَدفَع بهما للإخلال بالمنظومة التلاحمية المتكامِلة والتربية السَّويّة والنهج القويم؛ فإنَّ الرِّعاية الغير مدروسة والغير متوازنة مِن شأنها إيجاد عقبات خطيرة على خط الصلاح والبِر والنفس والقناعة به والانصياع لأمره، وإلا إذا كان البِر مجرَّد تبجيل وتقديس أعمى يَخطُّ في نفس الوالدين تألُّهاً واستعلاءً؛ فإنّه بالنتيجة يَعود على الأبناء بمشاعر الأسى والتناقضات النفسانية التي من شأنها تمزيق الأَواصر والرَّوابط لا استحكامها الحقيقي وإنْ بَرَزَتْ في ظاهرها مستحكِمة.

 

ثمَّ إنّ مِن أفضل الأوقات لذلك هو استغلال الأيام الإسلامية الميمونة المنصوصة؛ كالاعياد الإلهية وغيرِها؛ فمثلاً يُشَكِّل عيد الجُمُعة فرصة جبارة ومناسبة ثمينة وجوهرية لإعمال ذلك وتفعيله؛ باعتباره يَتكرر في كل أسبوع وله أحكامه وامتيازاته التفرغية والاجتماعية والتوعوية، فإنّ إحياء أعياد الجُمُعة يَتمثُّل بفائدتين عظيمتين: إحداهما إحياء أيام الله وأعياده وإشاعة البهجة، والأخرى تفعيل الفضائل والقِيَم، وفي كلِّ واحدةٍ منهما عوائد كبرى عظيمة.

 

فهذا هو البديل الصحي السليم؛ فهو يتركَّز على إيقاظ النفوس بالتوعية، التي هي الكفيل الأوحد لترشيد النفوس وبنائها بناءً معرفياً صحيحاً، لا الطقوس الفارهة والأوقات المحددة الآنيّة الضَّـيِّقة العاجزة والطرب واللهو والرقص والغناء وما شاكل، كما أنَّ هذا البديل الشرعي الراقي الرائع المتكامل يَتَّسِم بشموليته الرائدة للجميع؛ للفقير والغني وجميع طبقات الناس، وللأيتام وغيرِهم، ويَجعل البِر عاماً يَشتمِل زيارة قبور الموتى، سيما الأب الميت والأم الميتة، كما يقلِّل مِن هوَّة التباعد والتمايز، بل ويَفتح الباب على مصراعيه لأعمال الخير العامة، ويكون نافذة جليلة للعطاءات البنَّاءة والشعور بمعاناة الآخرين ومواساتهم والتقديم لهم بالمِنَح الروحية والنفسية والمِنَح المادية والمالية.

 

أسئلة المؤمنين والرد عليها:

 

وردتنا من المؤمنين مجموعة أسئلة، نُعْرِض عن ذِكرها باعتبار أنّ أجوبتها جميعها موجودة فيما ذكرناه، يجدها القارئ فيما لو عزمَ أمره وتَرفَّع عن التثاقل وطالَع ما أوردناه في هذا الوجيز، ومن الجميع أستميحُ العُذر، والعذرُ عند كِرامِ القومِ مقبولُ، إلا أنّ من هذه الأسئلة سؤالاً جيداً وَرَدَ على (جماعة أنبياء أولي العزم عليهم السلام) جزاهم الله خير الجزاء على جهوده الكبيرة، يَلْزَم أن نقف عنده؛ وهو كما يلي:

 

(هل لكم ان توصلوا سؤالي لسماحة السيد

.. بافتراض اني بار بوالدتي طول السنة هل ذلك يمنع ان يكون للأم يوم تكرم فيه وخاص فيها.. حيث ان ذلك راجح عقلا

كيوم الشجرة ويوم المعلم ويوم توزيع الشهادات

ويوم القدس كآخر جمعة من رمضان).

 

فكان الرد كما يلي:

 

(السلام عليكم أخي العزيز ورحمة الله وبركاته

تقبل الله طاعاتكم بأحسن القَبول

وبعد..

 

أما سؤالكم بالقول "وبافتراض اني بار بوالدتي طول السنة هل ذلك يمنع ان يكون للأم يوم تكرم فيه وخاص فيها.."؛ فجوابه:

 

إن كنتَ ممن يبر بوالدته طوال الأيام والأوقات، ثم مر بك اليوم المصنوع بعنوان عيد الأم؛ فإنه لك أن تَجري على عادتك، ولا يكون ذلك منك مصداقاً من مصاديق التشبه واتّباع البدعة؛ باعتبار أن عادتك هي هكذا، شريطة أن لا تحيي ذلك اليوم المصنوع بإرادة عيد الأم ولا تتشبه بالدخيل ولا تشِّجع على البدعة، وهذا مِثله مِثل أحكام الأعياد الشرعية؛ إذ مما ذهب إليه بعض أهل العلم هو النهي عن إحياء ليلة عيد الفطر والأعياد الشرعية بالعبادة؛ إذ عليك أن تحيي يوم العيد بتأدية الزكاة وعدم تفويتها وتَتعبد في هذا اليوم الإلهي الخاص العظيم المشتمِل على مصالح عميقة وأهداف ربانية كبرى وحِكَم جليلة؛ فعبادة ليلة العيد تَستلِب منك القوة على إحياء يوم العيد الذي هو واجب على المسلمين. وفي مقابِل ذلك استثنى القائلون من هذا الحُكم الشخص الذي عادته العبادة في الليال؛ فقالوا لا بأس له أن يحيي ليلة العيد بالعبادة مادامت هذه عادته ولديه الاعتياد والقدرة.

فنفس الأمر يجري عليك في احتفائك المستمر بأمك، حتى لو صادف يوم عيد الأم المزعوم؛ لأنّ هذه هي عادتك، لا أنّك احتَفيتَ بها بخصوصه.

 

وأما تمثيلك أيها العزيز بيوم الشجرة ويوم توزيع الشهادات أو مثلاً يوم مرضى التَّوَحَُّد أو يوم الإيدز أو يوم السّكّري وما شابه؛ فهذا مما لا ضير فيه، ولا تَنعكِس منه الـمَضار المتوخى التجنب عنها، وليس من البدعة في شيء ولا من التشبهات؛ بل هو هذا دَيدن العقلاء؛ باعتبارها أمور تنظيمية عامة، وكثير منها كان عليها المتشرعة في سيرتهم، ولم يرد النهي عنها، ولن يرد، ولها مثائل كثيرة في تاريخ الإسلام وحياة المسلمين الذين عاصروا النبي والأئمة عليه وعليهم الصلاة والسلام.

 

وأما يوم القدس، أو أسبوع القدس؛ فهو من الضرورات الأهم الداعية لجعْـلِه لاسترجاع الحق وردِّ الظلم والباطل، وقد تَفَرَّد به المسلمون الأحرار الغيارى؛ فأين هذا مِن التشبهات والبدع؟!

إنّ يوم القدس، أو أسبوع القدس هو فعلٌ ضروري وهو حاجة لازمة يَستوجبها الحق المسلوب والردع عن الظلم والدفاع عن حريم الدين والمسلمين؛ فمِن الإجحاف أيها الحبيب أن يقاس بغيره.

 

وأستغفر الله لذنبْي والسلام عليك من أخيك الصغير وخادمك الوضيع.

جعلك الله من خيار المتعلمين الصادقين العاملين وألبسكَ لباس التقْوَى والعافية ومَنَّ عليك بالسموِّ والرضوان.

نسألكم الدعاء)[2].

 

خاتمة:

 

أيها العزيز، إنما مَحبةً منا إليك نود لك الخير والصلاح، ونرجو لك حُسن العواقب والكمال والسعادة، كما نودها لجميع فلذات أكبادِنا وكافة أبناء مجتمعنا الغالي النبيل وأُمَّتِنا الموقورة.

بروا أمهاتكم وآباءكم كما يريد الذي أمركم بذلك سبحانه، لا خلاف ما يريد وهو صاحب أمر البِر، ووليُّ العِباد، وهو الحقيق بالطاعة وحده عز وجل.

لا تَكونوا إلهيين أكثر من الله تعالى، ولا يَخدعنكم الشيطان بإقحامِكم في شِراكِه ومكائده عن طريق الخير وأنتم لا تشعرون.

 

لا تكن أمهاتنا أصناماً نعبدها مِن دون الله تعالى، ولا طريقاً لعصيانه عز وجل باسم دينه ودعوى امتثال أمرِه، فإن كنا نحب أمهاتنا بحق فلا نشجعهن على المَضار ولا نوقعهن فيما يجلب لهن الأضرار في الدنيا والنّكال والخسران في القبر والآخرة.

أيها العزيز، إنّ عليك أن تكون منصِفاً في جميع الأحوال {ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلوا، اعْدِلوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما تَعْمَلون(8)}[المائدة]. طالِعْ جميع جهات الشيء الواحد، ولا تحصر نفسك بجهة، فهذه هي طبيعةُ صَيْبِ الحكمة.

 

وعليك حينما تريد المناقشة لأمر أو التعليق عليه أن تتحلى بالصبر وسعة الصدر والتأمل والتدبر قبل طرح أيِّ كلمةٍ تُساءل عنها غداً بين يدي الله تعالى الذي لا يَعْزبُ عنه مِثقال ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماء.

ليتنا بنفس الحماسة للرد نتعلَّم ونقرأ وندقِّق ونَبحث في جذور الأشياء وحقائقها. ليتنا بنفس درجة الحماسة نحافِظ على الدِّين الحنيف.

 

وتَذَكَّرْ أيها العزيز إنْ كنتَ مقلِّداً لمرجعٍ من المراجع الأجلاء: أنّ الإصرار على مفاد الفتوى والمكابَرة عليه وسَحْق الفضائل والقِيَم لأجل الدفاع عنها هو خطأٌ جسيم؛ إذ لو افترضنا أنّ مرجعك الذي تقلده غَيَّرَ بعد أيامٍ فتواه وحَكَمَ بالحُكْم الذي حاربتَه وواجهتَه أشدَّ المواجهة؛ فكيف سيكون موقفك حينئذٍ؟

 

واعلمْ أيها العزيز أنَّ هذا المخاض هو مفْرَدة واحدة من بين عشرات المفْرَدات الخاطئة التي تَحتاج في مجتمعنا الإسلامي والمجتمع المحلي للتصحيح والتصويب.

ثمَّ لماذا ليست لنا هويّة مستقلّة نتميَّز بطابعها الإسلامي النبيل الخَلّاق المتألِّق كما أمرنا الله ورسوله؟ لماذا نَأخذ تلقيناتنا ممن لا رغبة لهم في ديننا ونحن نَعْلم يقيناً بذلك منهم؟ فإنّ مِن حقِّ كل أُمَّة أن تكون لها هويتها، وإنّ الإسلام يَمتلِك أحسنَ النُّظُم وأَمْثَل المنهَج وأَحكَمَ الطريقة وأتمَّ البناء، إنه يَبْعَثُ حقّاً على الفخر والاعتزاز.

 

إنّ التنازل الصغير إخواني عن شيء من مبادئ الله تعالى قِبال محارِبيه ومحارِبي رسالته ورُسُله، يجرُّ التنازلات تلو التنازلات، فما بالك بالتنازلات الكبيرة التي منتهاها للاستئسار والضياع والفشل والهلاك والعقوبات الإلهية الظاهرة والغيبية والخذلان الرَّباني.

علينا أن نتمسَّك بعُرى ديننا النفيس ونحتاط له في زمنٍ كما ورد في الحديث الشريف: "القابض على دينه كالقابِض على الجَمْر". وقد قال عز وجل:

{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112)}[التوبة].

 

علينا إخواني أن نُبَلِّغ الخير ونأمر به حتى لو كلَّفنا ذلك الآلام والشتائم، فنَصبر ونتحمَّل ونَحتَسِب عند جبار السماوت والأرضين الحاكم الحقيقي الذي لا يَغيبُ عنه شيءٌ صَغُرَ أم كَبُر، فإننا لسنا أوَّل من يناله الأذى، فقد سَبَقَ إلى ذلك آبائي وأجدادي، رغم أنهم الطاهرون المطهَّرون، حتى قال جدنا صلى الله عليه وآله:

"ما أُذِيَ نبيٌّ كما أُذيتُ"؛ أَفَتَحسَب أنّ هذه الكلمة الموجِعة صدرت منه صلى الله عليه وآله من عبث؟!

 

لا تحل علينا إخواني لعائن الله فيطردنا من كرامته بغيرته كما طرد غيرنا: {لُعِنَ الَّذينَ كَفَروا مِن بَني إسرائيلَ عَلَى لِسانِ داوُودَ وعيسى ابنِ مريمَ ذَلكَ بما عَصَوا وَّكانوا يَعْتَدُون (78) كانوا لا يَتَناهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانوا يَفْعَلون(79)}[المائدة]. وقد وردَ عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:

"إذا عَظَّمَتْ أمتي الدنيا نُزعَتْ منها هيبة الإسلام، وإذا تَركَت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر حُرِمَتْ بركة الوحي". وقال:

"لَتَأمرنَّ بالمعروف ولَتَنهونَّ عن المنكَر أو ليلحينكم الله كما لحيت عصاي هذه -وأشار لِعُودٍ في يده-". وعنه صلى الله عليه وآله:

 

"إذا تَركَتْ أمتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلَيأذن بوقاع من الله جل اسمه". وعنه:

"لَتَأمرنَّ بالمعروف ولَتَنهنَّ عن المنكر، أو ليعمنكم عذاب الله".

وقال تعالى مبيّناً النجاة لمن ائتمَر وأَمَر بالكتاب حتى عند وجود اليائسين من الإصلاح والمحبطين والمتثاقلين والمعاندين:

 

{وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شديداً قَالوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقون (164) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنا الَّذينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأَخَذْنا الَّذينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كَانُوا يَفْسُقون (165)}؛ قال ابن زيد: نجت الناهية، وهلكَت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك النهي عن المنكر.

 

وقال سبحانه: {فَلَمَّا عَتَوْا عَن ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين (166) وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يومِ القيامةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم (167)}[الأعراف].

قال الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: {فلَمّا نَسُوا ما ذُكِّروا به...}: "كانوا ثلاثة أصناف:

صنف ائتمَروا وأَمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمُسِخوا ذراً، وصنف لم يَأتمروا ولم يَأمروا فهلكوا" والعياذ بالله.

 

هل نَنتظر أيها الأحبة أن تَحل بنا البلايا والشرور والآفات، ثم نجيء لننكر ما تَساكتْنا عليه وتغافلنا عنه وشَجَّعنا ورَوَّجنا له بألسنتنا وأفعالنا؟ لماذا لا يتم استباق الحدث وتصحيح المسار والسِّيرة قبل وقوع الأمراض واستحكام الأخطار ..

 

إنّ علينا إخواني الأعزاء أن ندعو للتربية الحسنة ونُقِيْم التعليم الصحيح ونُشِيْع الـمُثُل العُليا في أبنائنا وفلذات أكبادنا منذ مراحل الصِّغَر، في البيوت والمدارس والمساجد وأماكن الذِّكر والتعليم والعبادة، لا أن ننتظر إلى حين وقوع المشكلة ثم نأتي للتنقيب عن وجوه العلاج منها وجَعْلِ الوجوه بدعوى جبران سوءِ اختيارنا؛ فإنّ التعليم في الصِّغَر –كما يَعرِف الجميع- كالنقشِ على الحَجَر، وإنّ الوقاية خيرٌ من العلاج؛ فالعلاج ليس دائماً يؤدي المراد كاملاً، كما أنه قد لا يؤدي حتى جزءً منه أحياناً؛ وذلك فيما لو فاتت فائتتُه وتلوَّثتِ النفس بآلاف الرذائل واسْوَدَّ القلبُ وأصابه العَماءُ والصَّمَمُ والرَّيْن .. وغابتِ القابلية وانْزَوى طُهْرُ الفطرة. وإنّ لكلِّ مجتهِدٍ نصيبا.

 

قال تعالى:

{قالَ هَلْ يَسْمَعونَكُمْ إذْ تَدْعُون (72) أوْ يَـنفَعونَكُمْ أوْ يَضُرُّون (73) قالوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذَلكَ يَفْعَلون (74) قالَ أَفَرَأَيْـتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدون (75) أَنتُمْ وآباؤُكُمُ الأَقْدَمون (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العالَمِين (77) الَّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ (78) والَّذي هُوَ يُطْعِمُني ويَسْقِينِ (79) وإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) والَّذي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ (81) والَّذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وأَلْحِقْنِي بالصّالِحِين (83) واجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِين (84) واجْعَلْني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيم(85)[الشعراء].

 

هذا؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمدٍ وآله الطاهرين.

نسأل الله لنا ولكم حُسن الخاتمة، وأستغفر الله لذنْبي وعظيم جريرتي.

وأسألكم الدعاء

 

أمين السعيدي – قم المقدَّسة

29جمادى الأول1436هـ

 

[1] راجع الصفحة الخاصة لعباس بهبهاني.

[2] وقَعَ هذا في الموافق: 1 جمادى الآخر ١٤٣٦هـ.

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1205
زيارات الأمس: 2227
زيارت الموقع حتي الان: 629698
المتواجدون الان: 2