السيد حسين الخليفة
الأحد, 10-01 02:51 صباحاً
(الراحة و السكينة في استنشاق عطر الطَّبينة )
كاتب
(0) تعليقات

درج علماء الفكر والأدب على تسليط الأضواء على صور وظواهر وقضايا غالباً ما تكون هامشية ، ولا يمكن لها أن تنتظم في مدونة علمية أو كتاب منهجي ، مما جعلهم يجمعونها في كتب خاصة أطلقوا عليها اسم ( الكشاكيل ) ، فيجود علينا  التراث بمجموعة منها من قبيل كشكول العاملي وكشكول البحراني  ، وقد توضع عناوين أخرى لهذا النوع من المصنفات كالمخلاة للعاملي أيضاً والمستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي ، وفي العصر الحديث ينتهج عالم مكثر غزير الإنتاج نهْج َ القدماء فيصنف العلامة محمد جواد مغنية كتاباً بعنوان ( صفحات لوقت الفراغ ) ليجمع فيه ما لذَّ وطاب من غذاء الروح والعقل مدعَّماً بانطباعاته الخاصة ورؤاه وتجاربه العلمية والاجتماعية .. وتبقى مسألة تأليف الكشاكيل ظاهرة مفيدة نافعة تعكس حركية الأذهان المتوقدة لدى العلماء والأدباء وتبين حرصهم على إغناء الساحة الفكرية والثقافية بشتى ألوان المعرفة التي لم يسلم من اصطياد شِراكِها حتى اليومي البسيط والهامشي الذي لا يعيره الناس أيَّ اهتمام.

ولم يكن كتاب ( صفحات لوقت الفراغ ) هو الوحيد من نوعه في هذا العصر، وإنما كان ذكري له على سبيل المثال من جهة ، وكان عنوانه الدال على أن العلماء يقدمون لنا كشاكيلهم وقد اشتغلوا على تأليفها في أوقات فراغهم من التدريس وكتابة البحوث  والدراسات التخصصية  هو الدافع للتمثُّل به من جهة أخرى ، فتكون تلك المصنفات بمثابة ترفيه للنفس وعلاجاً لآثار المشاكل والكدورات التي يكابدونها في حياتهم الفكرية والاجتماعية .

وهي آثارٌ لها قيمتها يخلفونها بعد رحيلهم لتستفيد الأجيال من لمعها وعطائها النادر أو العفوي اللطيف .

واستضاءةً بطريقتهم في تسليط الأضواء على كثير مما لا يُظَن أو يرد في الحسبان ، رأيت أن أحذو حذوهم ، فأتبع انبعاث دخان ( الطبينة ) يقودني إليها نظري أو استنشاق رائحتها الزكية التي أصل من خلالها إلى محل انبعاثها لأجلسَ عندها مشاركاً الفلاح الذي أوقدها في ( استكانة شاي ) أجدُ نكهتها في الرشفات التي اصطلت بجمرها الزاهي الوهاج.

إنها شيء من الكرب والليف ومخلفات النخلة وما ينبت تحتها ، يجمعه الفلاح ليتخلص منه عن طريق الاحتراق ، ويكون دخانه طارداً للبعوض والحشرات ، ويساهم رماده في تخصيب التربة وإنعاشها وتجديد عافيتها .

غير أن ( الطبينة ) – بالإضافة إلى ما ذُكر - لها قيمة خاصة عند ابن النخلة ومن فتح عينيه على بساتين النخيل ، فمن تربى في أحضان عمته النخلة لا يهدأ بالُه - إن ترك بلاده بعيداً عن عمته الحانية – حين يمضي عليه وقت غير قليل فلا تجود عليه نسائم المكان الجديد بشيء من ( رائحة الطبينة ) فيظل يشتاق إلى النخلة وإلى طيب ما ينبعث من أثر احتراق شيء منها .

وربما ليس كاتب هذه السطور هو من دار في خاطره وحده  وهو بعيد عن جود عمته النخلة أن تلتفت محلات العطارة ومصانع العطور إلى (رائحة الطبينة ) فتقوم بتصنيعها ووضعها في قارورات تحت مسمى ( عطر الطبينة ) ليلجأ البعيدون عن غابات النخيل وبساتينها العريقة والمبهجة إلى استرجاع أرواحهم برذاذ تسعفهم به تلك القارورات .

إن (إنسان النخلة ) المغترب سوف ينتعش وترد روحه حين يشتم ( عطر الطبينة ) ، فقد أثبتت بعض الدراسات أن الحنين إلى الوطن الذي قد يرتفع عند البعض إلى مستوى المرض النفسي ، سببه فقدان المرء لما اعتاد عليه من الروائح الخاصة التي تتميز بها تربة بلده ، ولكل بلد روائح تشكلها موارده الطبيعية ومعالم الطبيعة فيه.

ولعل الشاعر الصمة القشيري قد التفت إلى هذا الأمر من خلال الإحساس والتجربة حين شرع في الرحيل عن نجد ، فحضرت عنده حاسة الشم التي ستكون زاده في إشباع روحه بمخزون سوف يفتقده بعد الرحيل صادحاً وهو يكابد لحظات الفراق :

تَزوَّد من شميم عرار نجد

                                         فما بعد العشية من عرارِ

وإني لا أستطيع أن أطَّلع على عدد المسافرين الذين اختاروا طرق بساتين النخيل ، ليكون مرورهم بها وهم يغادرون البلاد إلى أماكن لا نخيل فيها ليتزودوا من رائحة الطبينة كما كان الصمة القشيري يتزود من شميم عرار نجد .

أفلا يكون تصنيع ( عطر الطبينة ) – والحال هذه – مجدياً ، ليساهم في بعث الراحة والسكينة لدى ( إنسان النخلة ) المغترب ..؟!

وهل هناك أرقى قيمة من عطر يلبي حاجة روحية لدى الإنسان ، فيغمر نفسه بالراحة والطمأنينة والسكينة ، فترتفع قيمة العطر ولا تنحصر في دائرة الاعتياد على الكماليات ..؟!

ويزداد الطلب بإلحاح على ( عطر الطبينة ) حتى لدى غير المغتربين ، ولا سيما ونحن نعيش في زمن تنكُّرِ المتنكرين لظل النخلة ، في زمن التعدي عليها واقتلاعها ممن لم يفهم قيمتها من الجذور ، ونعيش في زمن لا هامش أقلام فيه للهامشي الذي كان محل اهتمام الأقلام التراثية من ذوي الطرائف و الكشاكيل ..

وحين لا يُعطى الهامشُ أية أهمية ، فإن عدم المبالاة ستلاحق المتن ، فمن كتبوا في الهوامش كانت لهم متون تسد عين الشمس ، ومن لم يبالوا بالهوامش لا نجد لهم متوناً تُذكر ، أو ربما نظفر بمتون لهم لها طاقة الهوامش أو أقل من ذلك بكثير  من حيث بذل الجهد ، ومن حيث محلها العلمي من الإعراب.

إن لرائحة ( عطر الطبينة ) أثراً يحاكي أثر ( شميم عرار نجد ) ، فهل لرائحة عطر الطبينةِ من قارورات ينبعث منها ذلك الشميم ...؟

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية
رأي اخر 14%
ضد 43%
مع 43%

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1056
زيارات الأمس: 2451
زيارت الموقع حتي الان: 504277
المتواجدون الان: 1