السيد حسين الخليفة
الاثنين, 18-01 11:46 صباحاً
( شِعريَّة الدفقة الشعورية من ( أمير جيكور ) إلى ( أمير القلوب) وأضغاث أحلام الحداثيين )
كاتب
(0) تعليقات

إن المتابع لتاريخ الأدب الحديث ، لا بد أن يكون قد وقع في بئر الاستفهامات الموجهة إلى التيارات الأدبية المتعاقبة في عصرنا ، ولا بد أن يكون قد نحت بإزميل عقله وروحه علامات استفهاماته آمام أواخرالكلم التي حفلت بها مسلات البيانات الأدبية الجديدة والمتتابعة للتيارات المذكورة.

ولعل من أدبيات تركيبتنا الثقافية أن يقوم من يعد بالإبداع البكر والمنجزات الجديدة بسلب كل قيمة تذكر لما سبقه من منجز فكري أدبي وما إلى ذلك مما يدور في الفلك الثقافي العام.

فالغنائية والرومانسية والمنحى الخطابي .... كلُّها تهم جاهزة ومُدىً حادة يمكن أن تُنحر بها الألوف المؤلفة من النصوص الإبداعية الفارعة على مر التاريخ.

فبمجرد أن انتقل بدر شاكر السياب إلى رحمة ربه ، خرجت بيانات - ولمَّا تبرد حرارة جسد شاعرنا السقيم – تتهمه بالسذاجة الريفية التي لم تستطع أن ترتفع إلى مستوى ( الرؤيا ) التي يبشر بها أدبها النوعي ..!

غير أنها اعترفت بتمتع نص السياب بالحرارة العالية والدفقة الشعورية المتوهجة ، ولعله قد استطاع بالميزة تلك – كما ترى -  أن يبني عرشه الأخاذ في قلوب جمهوره العريض ، مستفيداً مما اعتاد عليه الجمهور في شعر الآباء والأجداد الذي نسج شعره على منواله ، وإن كان قد موَّه قديمه بثوب عروضي جديد .

وإذا ما تمت عملية سلب الشعرية من المنجز السابق ، فإن التيارات السالبة الجديدة ستكون قد أزاحت من أمامها العبء الأكبر المتعارض وولادتها الجديدة ، فلم يبق لها سوى التبشير بالرؤى الجديدة ، وهو أخف بكثير من تحطيم بناء عريق له امتداداته التاريخية والمعاصرة ، ويتكئ على ذائقة جمهور عريض لم يعر لادعاءات ( الرؤيا ) ولا لطلاسمها السحرية أو مكاشفاتها الصوفية أي اهتمام .

الشعرُ شعرٌ أينما كان ، وأينما وجد ، هذه حقيقة لا يمكن أن ينفيها أي تنظير، مهما بلغ صاحبه من علو كعب ومن مقبولية واسعة في وسط ثقافي ما.

وإذا ما أمكن استعارة مقولة ( أهل الكار الواحد متحاسدون ) ، فإنه سيتضح أن محاولة تيار جيل الستينات ومن على شاكلته من أتباع أسطورة ( الرؤيا )  المنصبة على سلخ الشعرية عن شعر السياب والاستهانة به من خلال الضرب على وتر استثمار الشكل العروضي الجديد بموازاة الدفقة الشعورية العالية لتغطية نص تقليدي ساذج فاقد للرؤيا الحداثية المزعومة ، إنما هي محاولة ناتجة عن تحرك خصلة الحسد في النفوس .

كيف لا يُحسد السياب وقد عجز الستينيون ومن في فلكهم عن إنتاج نصوص متوهجة مفعمة بالدفقة الشعورية – وهي ميزة حيوية مهمة لا تنفك عن الطبيعة الشعرية – ، ولكي يأخذ الحسد نشوته في التعبير عن نفسه ، فإن التيار المذكور قد شمر عن ساعديه وقام بقلب الصورة إلى صالحه ، فجعل من الميزة المذكورة عنواناً لسلب الشعرية لا لإثباتها ، وتلك هي المفارقة...! 

وإن يكن التكرار أسلوباً من الأساليب التي يُتوصل بها إلى إنتاج نص غني بدفقته الشعورية ، وهو أسلوب عميق زمنياً عمق التراث ، بالإضافة إلى كونه يشكل ملمحاً من ملامح النص القرآني المقدس ، فإن السياب قد استثمر التكرار أيما استثمار، فكان من أهم العوامل المساهمة في تشكيل التوهج النصي لديه .

ولو أردنا أن نكون مع من ذهب إلى القول بتراثية النص السيابي ، فإننا سنوافقه على التوصيف المذكور لا باعتباره نكوصاً رجعيَّاً ، بل باعتبار الالتقاء حول قيم إبداعية آمن بنزعتها الإنسانية السياب ، وهي قيم لم يقو على طمسها الزمان ، فكيف بخطاب حسد أو بيان ؟!

وللتدليل على تراثية القيم المذكورة وحداثتها معاً – بلحاظ نزعتها الإنسانية – يطيب لنا أن نعرج على نص تراثي يعود إلى العصر العباسي ، لنقرأ في حروفه وجه السياب .

النص اتخذ من أسلوب التكرار مسلكاً ، ومن وهج الدفقة الشعورية العالية مشعلاً ، يدخل به في الدهاليز المؤدية إلى بلوغ عالم الخلود الفسيح.

النص لأبي الحسين أحمد بن محمد النوري البغدادي الصوفي المجايل للجنيد والحلاج والملقب بـ ( قمر الصوفية) و( أمير القلوب )

يقول البغدادي في نصه :

رُبَّ ورقاء هتوفٍ في الضحى

                                  ذاتِ شجوٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ

ذكرتْ إلفاً ودهراً ماضياً

                                فبكتْ حزناً ، أثارتْ حَزَني

فبكائي ربَّما أرَّقها

                               وبكاها ربَّما أرَّقني

ولقد تشكو فما أفهمُها

                            ولقد أشكو فما تفهمُني

غير أنِّي بالجوى أعرفُها

                          وهي أيضا بالجوى تعرفُني .

إنه نص مشرق اعتمد في بنائه على كلمات سهلة سلسة متخذاً من التكرار أسلوباً في بوح الإعادة وكتمان الاسترسال والزيادة ، لينقل إلينا من حقبة زمنية تمتد إلى مئات السنين الدفقة الشعورية الفائقة والتأزم والوهج الروحي الذي يكابده منشئ النص وصاحبه – صاحبته الرحمة الإلهية بما تصاحب به أهلها – فأي شاعر من الشعراء الرؤيويين أو الرؤياويين – إن صح التعبير- يكره أن ينتج نصاً بوهج نص (قمر الصوفية ) و ( أمير القلوب ) ؟!

إنك لو دخلتَ في قلوب هؤلاء (الرؤياويين ) لوجدتها ترقص على وهج نص ( أمير القلوب ) وتترنم فيما تكابده في حياتها بـ ( سفر أيوب ) ، ولكن ألسنة أصحابها تناور وتكابر، وتبتعد عن جبلة مشاعرها الإنسانية حين تجادل أو تحاور، ساعية من وراء ذلك إلى تكوين عالم افتراضي خاص بها ، يعج فضاؤه المندهش بنفسه – حد الغرور -  بإيهام المغايرة الإبداعية التي لا يوهم بها  إلا كيانه المشغوف بلجج ( رؤياه ) الأسطورية .

ولعل هؤلاء ( الرؤياويين ) قد أصابوا كبد الحقيقة حين ابتعدوا عن لفظ ( الرؤية ) متشبثين بلفظ ( الرؤيا) المرتبط بعالم الأحلام وأضغاثها ؛ ليتركوا للقارئ المتابع فرصة الاعتذار لهم وعدم مؤاخذتهم في كل ما يقولون ، فلا ضير على عرابهم حين يدعي أن العالم بأسره قد تقدم حداثياً في المجالات السياسية والاجتماعية  والاقتصادية والصناعية على المجال الأدبي إلا العالم العربي الذي تحسب له أسبقية حداثته الأدبية وتقدمها على كل المجالات الأخرى التي لم تركب قطار الحداثة بعد..!

 ليعش أهل ( الرؤيا ) أحلام اليقظة ، وليوزعوا تهمهم على كل من يخالفهم الرأي أو حتى ( الرؤيا ) ، وليعذر بعضنا بعضاً ، ما دامت الأحلام مجانية ،ولا تكلف صاحبها إلا النوم ، وليبق الشعر يمخر عباب بحر الإبداع من المحيط إلى الخليج وصولاً إلى ( بويب ) السياب ، وإلى ما شاء الله من مكامن لا يمكن أن يسدها بيان حداثة أو خطاب تيار.

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
ضد او مع عمليات التجميل

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 221
زيارات الأمس: 1857
زيارت الموقع حتي الان: 745969
المتواجدون الان: 4