السيد حسين الخليفة
الجمعة, 29-01 01:14 صباحاً
( شِعرية التمثُّل في القصيدة الموزونة ومأزق قصيدة النثر )
كاتب
(0) تعليقات

   " وَمَا الدّهْرُ إلاّ مِنْ رُواةِ قَصائِدي

                           إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدّهرُ مُنشِدَا "

                                                               ( أبو الطيب المتنبي )

يجانب الحقيقة من يُشكك بكينونة الإنسان الاجتماعية ، وبميله إلى حب الصيت والسمعة الإيجابيين على الأقل ؛ فالكاتب يضع نصب عينيه المتلقين من  جمهوره في كل حرف يدونه في مسودة كتاباته ، وهو يطمح أن يكون نتاجه واسع الانتشار محليَّاً وإقليمياً وعالمياً يصل إلى كل بقعة يحيا فيها الإنسان ..

والإنسان مهما تقدمت عنده أساليب وطرق التواصل التي تساهم في حفظ وانتشار نتاجه الإبداعي ، فإنه يبقى منشدَّاً إلى لغة التواصل ( الشفهية ) وهي اللغة القديمة العريقة لدى المجتمع البشري .

ولذلك فإن قسماً من الشعراء قديماً وحديثاً  كانوا يحلمون بأن تصل قصائدهم إلى حنجرة المغني أو المنشد ؛ لتخلد من خلالها وتكون محل تداول على ألسنة الناس.

فالتراث يحدثنا عن دعبل بن علي الخزاعي أنه قال : "  أنا ابن قولي :

                        لا تعجبي يا سلمُ من رجلٍ

                                                    ضحكَ المشيب برأسهِ فبكى "

   وهو بيت من قصيدة كافيَّة له قد غُنيِّت في وقتها فصار لدعبل صيت وشهرة بفضلها كما يرى هو ذلك من خلال قوله " أنا ابن قولي .." أي أن هذا النص هو الذي شهرني بين الأدباء والناس .

وما زالت شهرة الشعراء تأتي بصورة كبيرة من بوابة الإنشاد والغناء إلى يوم الناس هذا وإلى ما شاء الله ، ولا حاجة إلى ضرب أمثلة حديثة لواقع معاش .

ما أريد أن أصل إليه مما تقدم هو الالتفات إلى تقدير القيمة العليا لتداول النص الإبداعي شفهياً لدى الشعراء والمبدعين ، وما الإنشاد والغناء سوى سبيل من سبل تحقيق القيمة المذكورة .

ولذلك فإن أبا الطيب المتنبي قد اعتبر قيمة التداول الشفهي للنص معياراً للجودة ، ذلك أنه لم يقل إن العلامة اللغوي ( ابن جني ) له شرحان لديواني( الشرح الكبير والشرح الصغير) ، فالشرح الأدبي المكتوب يهم شريحة معينة من الناس وهم النخبة من الأدباء والعلماء .. بل نجده يفتخر بالقيمة الشفهية لشعره فيقول :

    " وَمَا الدّهْرُ إلاّ مِنْ رُواةِ قَصائِدي

                                 إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدّهرُ مُنشِدَا "      

الدهر هنا بظرفه الزماني المحيط بالنخب والعوام من الناس هو الراوي وهو المنشد ، مما يجعل شعره مهيمناً في التداول الشفهي على جميع طبقات المجتمع.

إننا لا نجامل المتنبي حين نصدقه في قوله ، فما زالت أشعاره محل استشهاد وتمثل وتداول على ألسنة الناس ، وما زال من يخفق في تحقيق شيء يترنم بقول أبي محسَّد :

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

                              تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ

وما زال المكتئب والمتضجر من الحياة ينشد قوله :

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا

                                    وحسبُ المنايا أن يكن أمانيا

ما زالت أبيات أبي الطيب تعيش في قلوب عامة الناس وخاصتهم وتحضر بقوة على ألسنتهم ...

إنها ظاهرة يتمتع بها شعر الشطرين قديماً وحديثاً ، وما التمثيل بالمتنبي إلا لأنه ذو حظ وافر من تحقيق شعره لقيمة التداول الشفهي .

تلك القيمة التي تكشف عن علو وغنى منسوب الشِّعريَّة الطافح في شعره ، وما ميل القلوب إليه وما استدعاؤه الشفهي المتكرر عبر العصور إلا دليل على تحقق الشِّعريَّة فيه .

كما أن شعر التفعيلة الحديث له نصيب من التداول الشفهي ، فقد حلا للناس أن يقتطفوا كلمات وأسطراً أو أشطراً من نصوص شعراء قصيدة التفعيلة الحديثة ويتمثلوا بها من قبيل شعر بدر شاكر السياب ونزار قباني و أمل دنقل وأمثالهم من مبدعي النص الموزون الذي استعار التفعيلة من بنية قصيدة الشطرين التراثية .

إن ظاهرة الاستشهاد والتمثل حين تقتصر على الشعر الموزون من الشطرين إلى التفعيلة تجعلنا نتوقف قليلاً عند المعطيات الترويجية لقصيدة النثر.

فمروجو قصيدة النثر قد أدركوا من البداية فشل قصيدتهم وعدم قدرتها على التعلق بأطراف ألسنة الناس ، أدركوا ثقل النص الجديد وعسر تطويعه ليكون قادراً على التداول الشفهي استشهاداً وتمثلاً مثلما هو حاصل لدى قسيميه من نصي الشطرين والتفعيلة .

إنه مأزق كبير من مآزق قصيدة النثر ولا بد من التغلب عليه أو تغطيته بلباقة .... فما التصرف الحسن إزاء المشكلة تلك ؟

التصرف الحسن أن يُدَّعى أن الشفهية أو ( الشفاهية ) – كما يحلو لتعابير وصياغات الأقلام الحداثية المتوارية خلف الشكل – هي من الثياب البالية الموغلة في القدم التي ورثناها والتي تعود إلى أيام الجاهلية أيام الأمية التي أودت بحياة طرفة بن العبد ؛ فالشفهية كانت حاجة حاضرة في زمن الأمية ،وهي قيمة منتهية الصلاحية في زمن العلم والتطور والحداثة ..

إنه منطق تبريري جميل ليس لدينا أدنى شك بسحره ورونقه ..!

وهو منطق يتماشى مع طبيعة الإنسان المجادلة القادرة على اختلاق المعاذير.

أي منطق تبريري هذا ؟!

هل يستطيع الإنسان العصري المتقدم الحداثي أن يستغني عن تحريك لسانه بحجة الهروب من الزمن الشفهي الموصوم بالأمية والتخلف والرجعية ..؟!

إن الشفهية باعتبارها نتاجاً طبيعياً لتفعيل نعمة اللسان والشفتين ستبقى ما بقي الإنسان وما بقي فيه اللسان والشفتان ، وسيبقى حلم التداول الشفهي يراود نص قصيدة النثر ، وسيبقى حسدها لقصيدتي الشطرين والتفعيلة يوغر قلبها عليهما ، فتلجأ إلى الجدل والتبرير المزوقين ، لتبرر فشلها الذريع في التعلق بأطراف الألسنة وفي تقبيل الشفاه العنَّابية ،مثلما برَّر شيخ التبرير الأول حين ادعى أنه من نار وأنه لا يسجد لمن خُلق من طين " والطينُ لا يسمو سموَّ النارِ" ، بيد أن التبرير لا يغطي الحقيقة ولا يسمو عليها ...

كان من الأحرى لمروجي قصيدة النثر أن يكبروا من شأن قيمة التداول الشفهي للنص وأن يذعنوا بفضل قصيدتي الشطرين والتفعيلة على قصيدتهم النثرية في المجال المذكور ، وكان من الأحرى بهم أن ينشغلوا بالتجريب الكتابي لقصيدتهم علهم يظفرون بسر الشفهية ليودعوه في جسد قصيدتهم التي مازالت الشفاه تستوحش من تقبيلها وهي تعيش موتها السريري المخيف في عالم الشفهية البهيج الحي بحياة الإنسان منذ فجر التأريخ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 1985
زيارات الأمس: 1909
زيارت الموقع حتي الان: 628251
المتواجدون الان: 5