السيد حسين الخليفة
الخميس, 25-02 06:53 مساءً
( رهاب العقدي في أدبيات الحداثة العربية – الانحياز إلى توظيف الأسطورة نموذجاً )‎
كاتب
(0) تعليقات

 

قد لا أكون متردِّداً حين أدَّعي – ولو من باب النزوع الانطباعي الصرف – أنَّ منسوب المد الأدبي يبدو أعلى بكثير في ساحل عصور الدول المتتابعة أو ( عصر الانحطاط ) – كما يحلو لتاريخ الأدب أن يسمه بالنعت المذكور – من أدب الحداثة العربية الذي ادعى لنفسه ما ادَّعاه متَّكئاً على عصاه الإعلامية المحصَّنة بمبيدات تمنع أرضة النقد من الوصول إليها.

فالقصدية في حشد المحسنات البلاغية قد تستفز الذائقة من باب القصدية نفسها فتكون بمثابة رهان يقبل عليه الأديب محاولاً الخروج منتصراً من حلبة تحدِّيه من خلال نشر عبق إبداعه ونكهته الخاصة في مضمار النمطية القصدية ، بالإضافة إلى القيمة اللغوية البلاغية التي تتمتع بها المحسنات بما هي هي مجردة عن السياق ، وبما هي في نسيجه التكويني الخاص .

القصدية تلك تبقى في إطار الشكل الذي لا يلامس عتبة المضمون ولا يمس محتواه، والأديب يبقى – حينئذ – يتحرك وفق طبيعته فلا يعيش حالة ضغط إزاء طرق مضامين معينة تمنع من التعاطي معها رؤى وتيارات تحت مسميات مختلفة من قبيل( التجاوز) و(قتل الأب الثقافي أو التراثي) والتحرر من (سلطة السائد ) بكل ما يمثل من قيم وتقاليد وعادات شديدة الصلة بتركيبة المبدع على الصعيدين الفردي والاجتماعي.

وبما أن الشكل ينتمي إلى دائرة اللغة في إطارها التواصلي ، فإنه – والحال هذه – لا يقف حائلاً إزاء روحية الأديب وممارسته البوح بعفوية مطلقة وهو في خضم إنتاج نصه الإبداعي الجديد.

فالشكل البلاغي ما هو إلا إطار ليس غير، ولقد تدب الألفة بين المبدع وبين الشكل الذي اعتاد عليه ، فلا يشكل عائقاً يمنعه من الانطلاق ومن تحقيق ما يصبو إليه من إنشاء النص.

غير أن تقنين المضمون في أدبيات الحداثة العربية من خلال ما مارسته كتاباتها التي ظهرت على شكل بيانات أو تنظيرات نقدية أو قراءات ترويجية لنصوص تتمثل أدبياتها أو قراءات ثالبة لنصوص أخرى غير متصالحة مع ما تقدمه وتبشر به الأدبيات المذكورة...أقول إن تقنين المضمون قد ساهم في وضع المبدع الجديد في حدود لا يمكنه تجاوزها ، وقد ساهمت المحظورات المسبقة في تحويل النص الحداثي الجديد إلى مجرد نص يدور في فلك التأكيد على رؤى مسبقة وإلى تكرار اجترار معانيها ومضامينها وإلى التحايل بقدر الإمكان على المتلقي وإيهامه بغنى النص واحتوائه على ما يدهش ويفاجئ من ملامح تحمل جديداً إبداعياً غير مسبوق...!

إن العقيدة الدينية بكل ما غرزته من قيم وثقافات منذ كينونتها الأولى المتزامنة تاريخياً وكينونة الإنسان باتت تشكل هاجساً كبيراً ورهاباً عظيماً يعاني منه النص الحداثي الجديد ويحاول جاهداً ألا يكون لها أي أثر فيه ، فهو حداثي من حيث الرؤية أو( الرؤيا) بمقدار ابتعاده عنها.

ولئن كان من يحمل العقيدة الدينية مأخوذاً بالحتمية التاريخية وبعقيدة الخلاص التي يؤمن بها ويوظف في نصه الإبداعي شخوصها المعروفين ، فإن الحداثي – وهو أيضاً شديد الإيمان بالحتمية التاريخية المحملة برؤاه الخاصة -  يحاول أن يبتعد قدر الإمكان عن استضافة شخصيات الخلاص الدينية في فضاء نصه ولو على سبيل التوظيف الرامز إلى موضوعة الخلاص دون أن يعني ذلك الإيمان بحقيقة الرمز أو أحقيته...

وقد وقع النص الحداثي العربي في( حيص بيص) حين فرَّمن توظيف النماذج العليا والرموز الدينية في نصه لاجئاً إلى توظيف الأساطير البابلية والفينيقية والإغريقية التي تصب في موضوعة الخلاص من قبيل( تموز وعشتار) وما إلى ذلك ، فأدى التوظيف المذكور بنصه إلى أن يفقد الجماهيرية المعهودة في النص الأدبي على مستوى التلقي الأولي المباشر؛ لجهة وقوع النص في دهليز الغموض الإحالي ، ذلك لأن المتلقي بصورة عامة لا توجد بينه وبين الرموز الأسطورية الموظفة معرفة ثقافية سابقة

بخلاف الرموز الدينية التي عرفها وألفها وعاشت في وجدانه وهي – لهذا وذاك – تساهم في إغناء النص عاطفياً ووجدانياً وتحافظ على تفاعله الجماهيري الذي لا يقلل من منزلته فيما لو قرئ قراءة نخبوية تخصصية.

وعليه فلا يمكن للقارئ أن ينظر ببراءة إلى مسألة توظيف الأسطورة في النص الحداثي .

إن خوف النص الحداثي من تهمة ( الرجعية ) أو ( التخبط الرؤيوي) وعدم القدرة على ( التجاوز) هي التي جعلته يهرب من توظيف الرمز الديني ويلجأ إلى الرمز الأسطوري ، ولا أدل على تأكيد ما تقدم من نص يصرح صاحبه بانتمائه إلى دائرة الإلحاد ؛ فالرمز الديني يتساوى – والحال هذه- والرمز الأسطوري في انتمائهما إلى سياق أسطوري واحد في عقيدة من يدين بالإلحاد ، فلِمَ يكون الإعراض عن الرمز الديني الذي يجسد موضوعة الانبعاث ويضحَّى بمعرفته ووضوحه لدى جمهور المتلقين لصالح رمز أسطوري غريب يؤدي إلى غموض النص وضعف تفاعله مع الطبقة الواسعة من المتلقين ..؟!

لا أحد يمكنه أن ينفي أن توظيف الأسطورة يشكل ظاهرة كبيرة في النص الأدبي الجديد أو المنتمي إلى حركة الحداثة الأدبية .

وبما أن المرجعية الفكرية لأدب الحداثة تقف نداً إزاء المرجعية الدينية - ولو على صعيد القراءة  وفق دعاة الحداثة المعتدلين -  فإن خيار توظيف الرمز الأسطوري الذي تضخم وشكل ظاهرة كبيرة في الأدب الحديث لا يمكن أن ينظر إليه إلا من خلال قصدية ( تقنين المضمون) بحيث بولغ في الأمر إلى حد الغلو فشمل في مبالغته ( الرمز) كتقنية من تقنيات النص الحديث وهي أقرب في حضورها في فضاء النص إلى الشكل الذي يصب في تدعيم المضمون.

كما أننا لا نعدم من وجود نصوص حداثية سمحت لفضائها أن تستقبل بعض الرموز الدينية ذكاءً وفطنةً من أصحابها الذين نظروا إلى الرمز كتقنية فاعلة في سياقها الرمزي ، وعولوا على ما يرومون هم من تحقيق مفاهيم وأغراض يعيها المتلقي الذي لا يضطرهم إلى التضحية برمز مفهوم لدى الجماهير ما داموا قد وظفوه فيما يريدون من سياقات.

  يبقى الانحياز بصورة كبيرة إلى ( الرمز الأسطوري ) شاهداً من شواهد( رهاب العقدي في أدبيات الحداثة العربية )وهو شكلٌ فرضته ( قسرية المضمون ) التي تحاصر حرية العملية الإبداعية وتعكر صفوها حتى قبل الشروع فيها من الناحية النفسية ، مما يقضي على العفوية ويضعف من حرارة الوهج التي تساهم في نضج النص.

ولئن اعتبرنا أن ظاهرة الشكل في أدب الدول المتتابعة تمثل ( قسرية شكلية) تضغط على المبدع وهو يمارس العملية الإبداعية ، فإنها- مع فرض عدم تآلف أديب ذلك العصر معها – لا تشكل ضغطاً بمستوى( قسرية المضمون) التي يعاني منها مبدع النص الحداثي ، ولذا فإن (منسوب الشعرية) قد بدا ضحلاً في ساحله قياساً بالصخب المتأجج الذي يصدره الساحل الأدبي لما يسمى بـ ( عصر الانحطاط) الذي ظل يقدم إغراءاته المتواصلة لجمهور يرتاد ساحله ليصغي إلى صخب قوافيه ويستمتع بسجع نوارسه البيضاء.

إن مناقشة أدبيات الحداثة ورؤاها النقدية وصولاً إلى تطبيقاتها النصية ستجعلنا نقيس النصوص الحداثية بمقياس أكثر علمية  وأعمق وعياً ، لنرى ( الخطابية) بمعناها النقدي السلبي حاضرة حضوراً مدهشاً في مساحة كبيرة منها ، ونراها تطال الأسماء الإبداعية اللامعة فيها أكثر من أسمائها الأقل شهرة وأكثر من أسمائها المغمورة.

ولا تريد المقالة أن تلمع من ( أدب الدول المتتابعة) أو تضعه في القمة بقدر ما تريد أن تدعو إلى إعادة القراءة لما شاع وغدا بمثابة حقيقة مسلم بها و لا تقبل النقاش ، كما تدعو من خلال المقارنة بين النتاجين إلى وعي منسوب الخطابية فيهما لنرى بعد ذلك أيهما أولى بصفة أدب الانحطاط.

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية
رأي اخر 14%
ضد 43%
مع 43%

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 537
زيارات الأمس: 2876
زيارت الموقع حتي الان: 509954
المتواجدون الان: 1