السيد حسين الخليفة
السبت, 02-04 02:35 مساءً
( المتلقي المفقود بين خطاب النقد الموجّه وخطابية النص الحداثي المنقود )
كاتب
(0) تعليقات

                                  "  يموت رديء الشعر من قبل أهله                                          وجيّده يبقى وإن مات قائله "

            دعبل الخزاعي

 

إنَّ المتابع لتيار الحداثة الأدبي في العالم العربي ، سيلاحظ عليه منذ استيراده من محيطه الذي نشأ فيه في الغرب ، أنه  قد ورد إلى محيطنا العربي ، وكان بمثابة عضو غريب يتمنَّع الجسم العربي من قبوله كبديل لعضوه الأدبي الأصلي الذي حكم عليه أطباء الحداثة المستوردة بالفساد والموت ، وقرروا استئصاله واستبداله بالعضو الجديد .

   ولقد استنفد ( أطباء الحداثة ) محاولاتهم كلها من أجل أن يقبل ( جسمُنا الأدبي ) ( عضوهم الجديد ) ، لكن المحالات كلها باءت بالفشل الذريع .

ومن هنا كان لهذا التيار المشغوف بـ ( الحرية الفردية ) المطلقة ، والذي يعتبرها من أعظم مقدساته أن يُصادر مقدسه المذكور ، فيرفع شعار " اقتل أباك " ليلقي كل تراثنا العربي في البحر أو يرسله إلى مقابر (جزر الواق واق ) بعد قتله وتغنيه وافتخاره بالجرم المشهود .

غير أنه من المؤكد والظاهر للعيان أن عشاق أدبنا العربي ومتذوقيه لم يقبضوا على تيار الحداثة ولم يقدموه للمحاكمة ولم يقيموا عليه الحد ، بل تركوه يقول ويفتي ويسرح ويمرح كما يحلو له ، ذلك لأن " قتل الأب " لم يحدث إلا في أحلام اليقظة  ، ومن إيمان (الأب ) الذي قتلوه أنه لا يحاسب على النوايا ولا على الأحلام  ما لم يكن لها وجود متحقق في الخارج .

لقد ظل هذا الأب المقتول في أذهان الحداثيين وأحلامهم يمارس هيمنته على الساحة الأدبيه لأبنائه العرب المؤمنين به كل الإيمان .

هؤلاء العرب التراثيون قد تعودوا من أبيهم العريق في جذور آدابه أن يقدم لهم الأدب شعراً ونثراً غنيّاً بـ ( مباشرته ) الإبلاغية التي تفوح منها رائحة المتعة الفنية التي يستنشقها الجميع متخصصين وغير متخصصين .

وقد عودهم ( أبوهم ) على تلقي النص الأدبي بعطره وإمتاعه الذي يجعل الدهر من رواته ، ويجعله من منشديه على حد تعبير أبي الطيب المتنبي .

كما أن ( أباهم ) قد ( لقَّنهم ) وهم يؤمنون إيماناً راسخاً بـ ( التلقين ) بحقيقة مفادها أن ( الإمتاع المباشر ) و(العمق ) لا توجد بينهما ( مانعة جمع ) كما يقول المناطقة ، ولذلك فإن  أبا الطيب الذي أمتع الدهر بشعره وجعله منشداً له ذائباً في اللذة المباشره التي يحصل عليها من إنشاده ، هو نفسه قد أشار أيضاً إلى عمق نصه الشعري الذي جعل المتخصصين من الخلق يختصمون حوله ويحاولون اقتناص شوارده .

إلا أن النص الأدبي الحداثي المسكين حين وجد نفسه منبوذاً ومرفوضاً من قبل الأبناء العرب المؤمنين بأبيهم والبارين بأدبياته ، ما كان عليه إلا أن يُلمِّع إبداعاته الأدبيه المثقلة بـ ( الخطابية ) بالمعنى النقدي السلبي ، لا بمعنى فن الخطابة ، فأطلق عجلة ( الإعلام النقدي ) إن صح التعبير ، لتشرِّق وتغرِّب في التنظير، و لتعمل على تغطية بضاعتها الذابلة التي تشتغل عليها ، وتعمل على رَشِّها بمياه القناني المستوردة ، لتبدو طرية ذات رونق مثلما يفعل بائع الخضرة حين تذبل خضرته ولا تلفت أنظار المتسوقين .

فحين شعر النص الأدبي الحداثي بسلبية فقدان صفة الإمتاع المباشر فيما ينتج ، وحين رأى انزواء الناس عنه وزهدهم فيه ، هرع راكضاً إلى كهنة خطابه النقدي علَّهم يظفرون بخيط من عباءة (أبي محسَّد ) ، ليتعلقوا به وينجوا من رياح النبذ الجماهيري ومن عواصف أمثولة الأب وشبحها الذي قتلوه في مخيلاتهم الخصبة ..!

لقد حاولوا وحاولوا ، لكنهم فشلوا ، لأنهم قد حفروا حفرة لأنفسهم وأوقعوا أنفسهم فيها في الواقع ، و لم يحفروا حفرة للأب الذي قتلوه  ولم يدفنوه إلا في عالمهم الخاص .

   الحفرة التي حفروها لأنفسهم تتجسَّد في اتخاذهم من ( الغموض ) مسلكاً وإيهام خطابهم النقدي بأن ذلك ينم عن ( العمق ) محاولين أن يقنعوا قارئي نقدهم بأن التضحية بالإمتاع المباشر للنص الأدبي كانت لصالح العمق ، وليقنعوهم أيضاً بأن ( أدب أبينا ) المقتول من قبلهم كان خطابيّاً فجّاً و( الإمتاع المباشر) هو المفصح عن خطابيته بصورة فاضحة ..!

وهنا تنقلب الصورة ، فتقول بـ ( مانعية الجمع ) بين الإمتاع الفوري المباشر والعمق في النص الأدبي ، ولذلك فأن النص الحداثي صار مشغوفاً بالـ ( الغموض ) وصار أدباؤه يتسابقون على تقصّده واقعين في وهم العمق و ( النص المفتوح على القراءات ) أو (النص المتمنِّع ) الذي لا يُسلِّم لقارئه من الوهلة الأولى ، وهو في واقعه لا يسلِّم له في نماذج غير قليلة منه إلى أبد الآبدين ..!

وإذا كانوا قد قلبوا الصورة وجعلوا بين الإمتاع والعمق ( مانعة جمع) ، فلكلمات هذه المقالة أن تشاكسهم وتعاملهم بالمثل ، فتقلب الصورة ، وتذهب إلى أن نصوصهم المعتصمة بالغموض هي ( خطابية ) بامتياز ، لأنها تخلو من ( الإمتاع الفوري ) الذي لا يخلو منه نص أدبي ناجح.

ففقدان اللذة المباشرة المتحصلة من النص الأدبي دليل على خطابيته ، وذلك لانعدام صفة لا يمكن للنص الأدبي أن يفقدها ، فيفقد جانباً كبيراً من بنيته التي ينماز بها عن النصوص غير الأدبية .

فكل نص يحتفل بالغموض ويفقد اللذة الفورية هو نص يمكن أن يتصف بأية صفة إلا الصفة الأدبية ، وإن حشر نفسه في عالم الأدب فله أن يتحمل – حينئذ -  إلصاق صفة ( الخطابية ) به بالمعنى النقدي السلبي .

وللمقالة أن تضع يديها على  جملة من نقاط ترى أنها تمثل نسيج القناع الذي اختفى فيه الوجه الخطابي الضحل للنص الحداثي حين اشتغل على :

  1.  التعقيد اللفظي والتعقيد المعنوي ، وهما من موضوعات البلاغة والنقد القديمين ، ويمكن الرجوع إليهما في استجلائهما مفهوماً وتمثيلاً ، وفي النص الأدبي الحداثي شواهد كثيرة على تمثلهما تمثلاً ساهم في إنتاج رقعة كبيرة من الغموض فيه .
  2. الغموض الإحالي ، ويتمثل في توظيف الأساطير الإغريقية والفينيقية والبابلية وما إلى ذلك في صورة محمومة مفرطة ، وقد أدى التوظيف المذكور إلى إشعال حريق من الغموض لا يستطيع التقليلَ من ألسنةِ نارِه أو إطفاءَه أمهرُ فريق إنقاذ في عالم الإطفاء.
  3.  حشد التفاصيل الكثيرة بصورة متتابعة مزعجة من قبيل ذكر البلدان والأماكن والمتاجر والموجودات التي قد تغيب معرفتها عن المتلقي خصوصاً إذا كانت لا تنتمي إلى الأماكن التي يعيش فيها ويألفها ، مما يجعل المتلقي يلهث في متابعتها ، و بذلك  يكون منشئ النص مؤدياً غرضه في استكمال لعبة الغموض الناتجة عن إحصاء وحشد تفاصيل كثيرة في فضاء نص لا يتحملها .

إن الغموض الإحالي يذكرنا بالغموض المعجمي الذي كان يستهوي جماعة غريب اللغة ممن كانوا يعتبرون أن حشد الكلمات الغريبة في النص الأدبي يدل على عمقه ومتانته ، حتى دفع المنحى المذكور بصفي الدين الحلي إلى حشد جملة من الكلمات الغريبة ونظمها في قصيدة سينية ساخراً من رؤية تؤدي إلى إنتاج نصوص محتمية بالإحالات المعجمية ظنّاً منها أن الاحتماء يمكنه أن يغطي على ضحالة نصوصها ، وهي لا تعلم أن المعجم سيكون مقبرتها ومثواها الأخير متى ما ذهبت إليه ، فيسفر الغموض عن وجهه الخطابي الضحل ويتبخر العمق ويختفي اختفاء السراب من أمام عيون اللاهثين وراءه .

 والأمر نفسه يحدث مع حشد التفاصيل ومع توظيف الأسطورة ، وصولاً إلى التعقيدين اللفظي والمعنوي ، فيسفر الغموض عن وجهه الخطابي الضحل متى ما مدَّت أبوتُنا الأدبية سبَّابةَ يسارها لتداعبَ وجنتي النص الحداثي المغرور وتكشف بمداعبتها البسيطة كل المستور.

إن المتلقي كان وسيبقى حاضراً حضوراً مشهوداً عند حضور النص الأدبي وهو يرفل بحلة إمتاعه التي لا تمنعه من تشييد طبقاته العميقة ولا من الإشارة إليها .

والمتلقي نفسه سيُلفى مفقوداً ولا يكون له موطئ قدم في أماكن انعقاد الأمسيات الباردة التي لا يحضرها سوى من عقدوها وبعض ممن لهم علاقات معهم لا تمت إلى الأدب بأية صلة .

إن الدعم النقدي الموجّه للنص الحداثي لم يفلح في تشييد مكانة له في قلوب المتلقين ، وهو لا يمكنه أن يمنحه الحياة مهما نفخ فيه من روحه التي لن تفعل في جسده أكثر مما يفعل الخوار في جسد عجل السامري ..!

ليزاول الحداثيون تألقهم في غرفهم المغلقة ، وليتمتعوا بجلساتهم السرية التي يعقدونها مع نقادهم ، يتباسطون الحديث ويتبادلون المطبوعات من إنتاجهم ، ثم يرسلون - بكل أسف - ما تبقى من نسخ مطبوعاتهم الكثيرة إلى مكانها الذي يستفاد فيه منها في عملية تدوير المطبوعات ..!

 ---------------------------------------------------------------------

إضافة تعليق
الاسم
الايميل (لن ينشر)
التعليق
الكود الأمني captcha
لا يوجد تعليقات حتي الان
حجب سناب شات بالسعودية
رأي اخر 14%
ضد 43%
مع 43%

لأننا نحبهم ونحبكم..!!

صحيفة غدير القطيفف - زهراء عبد الله منذ زمن وال

آل عجيان يفكك رموز الاحلام

صحيفة غدير القطيف _ حكيمة الجنوبي - أصدقاء تعزي

التحدي الكبير تحت parking

صحيفة غدير القطيف- معصومة ال ياسين | القطيف

سنابس تنهي برنامج تأهيل المقبلات على الزواج

صحيفة غدير القطيف _ نجمه النجمة أقيم في مقر

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  

امرأة تطلب الطلاق لرغبتها في <الجماع >ثلاث مرات يوميًا!

صحيفة غدير القطيف  رفعت زوجة دعوى في محكمة

أم شيماء ولجنتها التطوعية الخيرية

صحيفة غدير القطيف   في ليلة من ليالي الخير

لجنة تراحم تزور مستشفى الظهران العام

صحيفة غدير القطيف  تصوير بندر الش

الظهور الأول للفنانة المعتزلة ( زينب العسكري) و الكشف عن هوية زوجها!-صورة

صحيفة غدير القطيف من بعد غياب و اعتزال سنوات قا

لجين عمران تكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل !!!-صور

صحيفة غدير القطيف  كشف الإعلامية لجين عم

تقرير يوم العالمي لليتيم بالقطيف.

صحيفة غدير القطيف  في يوم 19/ 6/ 1453ه ، م

تهنئة من صحيفة غدير القطيف

صحيفة غدير القطيف   تتشرف صحيفة غدير القطيف

إبرة توازن

في هذا الزمن الرديء،، حيث أكثرنا رفاق في جبهة المق

الأستاذ علي الزريع محاضرا لـــ(( انطلاق مهرجان العمل التطوعي الرابع ))

صحيفة غدير القطيف  لكل مجتمع مثقف وواعي له منظم

تقرير مصور: وفد من القنصلية الأمريكية يزور هيئة كربلاء الصغرى

صحيفة غدير القطيف - علي عبد الملك الخنيزي  الحس

المهندس آل خيري يمتلك أول متحف بالخليج للدينصورات

صحيفة غدير القطيف - حسن آل ناصر  عندما يقع الإن

زيارات اليوم: 522
زيارات الأمس: 2876
زيارت الموقع حتي الان: 509939
المتواجدون الان: 1